مصداقية المشهد الإنتخابي في موريتانيا / عبد الصمد ولد أمبارك

سبت, 22/09/2018 - 18:11

تعتبر الانتخابات الدورية و الصادقة التي يحظي الشعب بمقتضاها بفرصة حقيقية ،لإختيار ممثليه بإرادة حرة و نزيهة  ،من أهم أسس الديموقراطية،من ثم فهي تعبيرا من أحد أبرز آليات التحول الديمقراطي في العالم. باعتبارها نظام حكم يجعل الفرد مساهما في تصريف شؤون الدولة، بما يخدم المصلحة العامة، مما يجعل تلك الانتخابات تؤدي دورا محوريا في الحياة السياسية للشعوب.

 

في الحالة الموريتانية شكلت إنتخابات سبتمبر 2018 و ما شهدته من مستجدات ، تعتبر نقطة تحول ، نظرا لما واكب المناسبة من إرادة سياسية توافقية ،من قبل مختلف مكونات الطيف السياسي من موالاة و معارضة ،بهدف تدعيم التطور الديموقراطي، من خلال توسيع مشاركة الأحزاب السياسية ،في جو مشجع فعلا ، يدفع إلي الأمل في نجاح عملية التحول الديموقراطي و التنمية السياسية في موريتانيا ،علي الرغم من طول التجربة التي توالت علي اللعبة الديموقراطية في البلد منذ تسعينات القرن الماضي .

إذا كانت المشاركة السياسية في الإنتخابات العامة تقاس عادة ،بتعداد المرشحين للانتخابات و عدد الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية و عدد الناخبين المقيدين علي اللوائح الإنتخابية و نسبة الإدلاء بالأصوات ، حيث تعتبر نسبة المشاركة دليلا علي حيوية النظام السياسي و علي ثقة الناخبين في العملية الإنتخابية.

فقد جرت إنتخابات سبتمبر 2018 في ظل القانون رقم 027-2012 الصادر بتاريخ 12 إبريل 2012، المعدل بالقانون النظامي رقم 005-2018 الصادر بتاريخ 12 فبراير 2018 المتعلق بإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات ، كذالك إستنادا للمرسوم رقم 108-2018 الصادر بتاريخ 21 يونيو 2018 القاضي بإستدعاء هيئة الناخبين .

كما جرت الإنتخابات في ظرفية سياسية وطنية مواتية ، من حيث خلق جو سياسي توافقي من قبل أقطاب المعادلة السياسية ، تجسدت في الضمانات الازمة و المقبولة مسبقا من الطيف السياسي ، قصد خوض إنتخابات تشريعية و جهوية و بلدية علي عموم التراب الوطني .

إنتخابات تشريعية لانتخاب النواب في 49 دائرة إنتخابية، حيث شارك فيها 96 حزبا سياسيا و 16 إئتلاف من بين الأحزاب السياسية و تنافست فيها 540 لائحة علي 157مقعدا نيابيا موزعة علي 57 مقاطعة و 18 مقعدا لدوائر نواكشوط و 20 مقعدا للائحة الوطنية المختلطة و 20 مقعدا للائحة الوطنية للنساء.

 

إنتخابات جهوية نظمت الاقتراع في 13 ولاية علي عموم التراب الوطني مع مشاركة 52 حزب سياسي و 16 إئتلاف حزبي ، تنافست 160 لائحة إنتخابية علي 285 مقعدا .

إنتخابات بلدية منظمة في 219 بلدية علي عموم التراب الوطني مع مشاركة 84 حزبا سياسيا و 32 إئتلاف حزبي ، تنافست 1552 لائحة إنتخابية علي 3831 مقعدا .

نظمت هذه الإنتخابات تحت إشراف لجنة مستقلة مع حياد الإدارة و السلطة العمومية من المشهد السياسي الوليد ، الذي عبئت له الطواقم البشرية و المادية للإشراف علي 4080 مكتب إنتخابي لمجموع المسجلين البالغ عددهم 1417823 ناخب ،صوت منها 1041199 ناخب ، أي نسبة مشاركة فاقت التوقعات و بلغت 73,44 في المائة. الشيء الذي يعكس نضج الشعب الموريتاني مع تعلقه بالإنجازات العميقة التي تحققت في العقد الأخير مع النظام الحالي، بما تحمله من تزكية للأغلبية الرئاسية.

شهدت القواعد المنظمة للإنتخابات الحالية بعض التطورات و الإجراءات الجديدة و التي ساعدت علي مبدأي المساواة و العدالة بين المرشحين إلي حد كبير ،كما شهدت الإنتخابات بعض الإجراءات الجديدة و التي طرأت علي العملية الإنتخابية في موريتانيا و تصب تلك الإجراءات جهودها بشكل أساسي علي تأكيد فكرة نزاهة العملية الإنتخابية مع ضمان مصداقيتها ، من خلال إبتعاد الإدارة و إناطة العملية برمتها لهيئة وطنية بإشراك القوي المعارضة التقليدية و هو ما يعني إستلام زمام المبادرة من خارج النظام القائم . الشيء الذي يقدم ضمانات حقيقية فيما يتعلق بنزاهة و مصداقية العملية الإنتخابية و بشكل خاص عمليات التصويت و الفرز ، مما يستبعد حدوث عمليات تزييف أو تزوير لإرادة الناخب .

كما عرفت إنتخابات سبتمبر 2018 جو تنافسي فريد من نوعه ، تدفعه عوامل عدة ، ذاتية و موضوعية ، نظرا للأسباب الظرفية المتعلقة بقانون الإنتخابات الجديد ،الذي يلزم الأحزاب بضرورة الحصول علي نسبة 1 % من التمثيل المحلي قصد البقاء داخل النسق السياسي ، مما ولد حالة من المشاركة رغم ضعف تجربة التعددية الحزبية التي مرت عليها حوالي ثلاثة عقود. كما عكست إنتخابات 2018 الضعف المتأصل في الأحزاب السياسية ، فلم يستطع أي حزب سياسي باستثناء حزب الإتحاد من أجل الجمهورية من ترشيح يتماشي و تغطية الخارطة السياسية للبلد ، المحيطة بكافة الدوائر الإنتخابية ، كما أن مشاركة مختلف الأحزاب لم تحقق إلا نتائج متواضعة جدا ، مما يدل علي وجود خلل حقيقي في هيكلة النظام الحزبي الموريتاني ، مع فقدان الخطاب السياسي الباني  للسلطة.

لقد ظل حزب الإتحاد من أجل الجمهورية الحاكم ،متصدرا للمشهد السياسي و بفارق مريح ،استطاع من خلاله كسب 89 نائبا برلمانيا من أصل 153 و ينافس علي 4 مقاعد مخصصة للموريتانيين في الخارج ،مما يعني حوزته علي أغلبية مطلقة، كما فاز الحزب ب 162 عمدة من أصل 219 بلدية علي عموم التراب الوطني و حصد 2085 مستشارا بلديا من أصل 3831 مستشارا وطنيا ، مدعما بالفوز الكاسح ب 13 مجلس جهوي ، تشكل الوعاء الإنتخابي الحاصل علي كافة التراب الوطني .

أظهرت الإنتخابات الأخيرة تراجع أحزاب المعارضة التقليدية ،فلم يحصد حزب تواصل الإسلامي سوي 14 نائبا ،متبوع بالتحالف الوطني الديموقراطي 4 نواب ،تكتل القوي الديموقراطية 3 نواب ، اتحاد قوي التقدم 3 نواب ، حزب الصواب 3 نواب ،التحالف الشعبي التقدمي 3 نواب ، حزب عادل 2 نائب، حزب الوئام 2 نائب ، التحالف من أجل العدالة و الديموقراطية حركة التجديد 1 نائب .

في حين تتقاسم أحزاب الأغلبية الرئاسية بقية المقاعد النيابية ، الإتحاد من أجل الديموقراطية و التقدم 6 نواب، حزب الكرامة 6 نواب ،الحزب الوحدوي لبناء موريتانيا 4 نواب ،حزب الشورى 3 نواب، الحراك الشبابي من أجل الوطن 3 نواب ، في الوقت الذي حصلت أحزاب الوفاق، الإتحاد الديموقراطي الوطني ،الإصلاح، المستقبل، الغد، السلام و التقدم ،تحالف الوفاء و طليعة التغيير الديموقراطي 1 نائب لكل منهما.

إن تشكل خارطة سياسية ضمن المشهد الإنتخابي الوليد ،يعكس تعلق الشعب الموريتاني بروح البرنامج الانتخابي ،الذي أنجز بحر العشرية الأخيرة من حكم الرئيس المؤسس لحزب الإتحاد من أجل الجمهورية، في ظرفية عرفت فيها البلاد تحولات عميقة، تجسدت علي أكثر من صعيد.

لقد جرت العادة في الدول المتقدمة بوجود ترابط عضوي بين الديمقراطية و التنمية ،في إطار علاقة تقوية البنية الهيكلية للنسق السياسي القائم ، فالديموقراطية ضرورية مع الحريات العامة الفردية و الجماعية ، قصد خلق تنمية مدعمة و متوازنة لتحسين الظروف الاجتماعية و الاقتصادية للمواطنين علي حد سوي ،مع توفير العدالة المطلوبة في التوزيع العادل للثروة في شقيها الوظيفي و العضوي، في إنسجام مع التركيبة السياسية و الإجتماعية للمجتمع ككل ، بإعتبارها غاية و وسيلة ،لتحقيق الرفاه الضمني لمشاركة الجميع في العملية السياسية ،بعيدا عن الغبن و الإقصاء ، ضمن معادلة الانحياز للأهداف المصيرية للمشروع المجتمعي للتغيير البناء، الذي يجعل من الديموقراطية الموريتانية نموذجا في العالمين العربي و الإفريقي.