
التعديل الحكومي الأخير ...بين هندسة السلطة وأسئلة الخلافة
لم تفتح إقالة الوزراء الثلاثة باب التأويلات بشأن أسبابها فحسب، بل أعادت طرح أسئلة أوسع عن طبيعة التوازنات داخل السلطة، وحسابات الخلافة، وحدود التأثير في المرحلة المقبلة.
ولد احويرثي الذي من واقع معرفة الجميع بتشعب صلاته برئيس الجمهورية لم يستسغ كثر فكرة الإقالة بالنسبة له، فقدروا أن مغادرته تكتيكية ، حصر بعضهم تسبيبها في الحاجة إلى اعتماد بروتوكول خاص فى تشييع نظيريه، اعترافا بمكانتهما وحرصا على ضمان ودهما؛ يشهد لذلك الحرص وتلك الرغبة أنه قد عُمد إلى تعويضهما وفق مراعاة الروابط الأهلية، واستحضار صلات القربى والتحالف، فخلافة حننا ولد سيدي آلت لابن أخته وزيرًا للشؤون الإسلامية، فيما خُلِف ولد محمد الأغظف بالوزير محمد ولد ببانه ، الذي لا يُعرف عنه قدر كبير من التنافر معه.
خروج ولد احويرثي من الحكومة، مُشيٍعا أو مُشيًعا؛ على قراءة من يرونه ضحية تضافر دهاء الجماعة السياسية متعاظمة الاستئثار بأُذن الرئيس، ولفظ جناح فاعل داخل المحيط الأسري الضيق للرئيس، لا يجب أن يغطي على خروج نظيريه:
ولد محمد الأغظف: طموح قديم وأسئلة مؤجلة
بمناسبة الاستحقاقات الرئاسية للعام 2019، انخرط الرجل في حملة رئاسية مكتملة الأركان، مستندا على دعم مؤكد من فصيل سياسي غني بالأطر والمثقفين العضويين. وفى أفق مساندة منتظرة من قوى قبلية عابرة للإطار الجهوي، وتخرصا لأن يكون خيار الرئيس المنصرف في متابعة النهج. فأعد تصورًا متقدمًا لمشروع الوصول إلى السلطة في تلك الاستحقاقات، وفى أبعد تقدير التموضع داخل الخريطة السياسية أملا في تحقيق ذلك الوصول أو ضمان المشاركة في السلطة من موقع وزن سياسي متعاظم.
الطموح للترشح اصطدم بتعيين ولد الغزواني ممثلا لاستمرار خيار النهج، فاضطر ولد محمد لغظف، مكرها، للتراجع عن خوض ما تحول من تجربة لمغامرة خاسرة، بعد تجسد أغلبية داعمة لمرشح السلطة المنصرفة.
أثمرت تلك الواقعية السياسية تعيينه وزيرًا أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية، تثمينا أو ثمنا لانسحابه من السباق الرئاسي، ورغبة في استهلاكه مكتبيا لشغله عن "ضلاله القديم".
لتلك الاعتبارات لم تتطور علاقته بالسلطة القائمة، بل طبعها التوجس والتيقظ؛ فحين عهد إليه النظام على حين غرة، بحكم وظيفته في القصر وخبره للمنطقة، بتسوية صراعات في الحوض الشرقي، ما لبث التوجس أن حضر فقدر أن تكليفه بمثل تلك المهام خطأ وخطر، لما يتيحه من فرص للتفاعل مع ساكنة بعيدة كل البعد أن تكون مناوئة له فكان أن أُعيد إلى المكتب، وانتهى به الأمر وزيرًا من بيته إلى مكتبه في الطرف القصي من القصر.
عزلته داخل القصر عظمت بنوعية شاغلي ديوان رئيس الجمهورية، ليفاقمها تحويل الديوان إلى مرتبة وزارة، ما اضطره للركون لبيات سياسي، ليس بالضرورة أن يكون كافيا للقضاء على تطلعاته القديمة.
وهنا تكمن المفارقة ويتوارى وراء أكمة التعديل ما وراءها؛ إذ كيف يُخرج من الحكومة رجل يعرف النظام سابق طموحه الرئاسي، ويدرك أنه سبق أن أعد مشروعًا متكاملًا للوصول إلى السلطة أقل ما يفترض أنه مازال في حوزته منه مذكرة ببيانات الناخبين الرئيسين وأجندة مثقلة بالعناوين التفصيلية لجمهور الرفاق...؟
هل أُخرج لأنه أصبح مأمون الجانب، أم لأن النظام أراد أن يعرف ما يفكر فيه بعد سنوات من الهدوء السياسي؟ وهل يحمل تكليفه السابق، ثم إخراجه الآن، صلة بحسابات استحقاقات 2029؟
إن ولد محمد الأغظف رجل من الحوض الشرقي، وله صلات قربى وامتدادات في مناطق أخرى، مثل لعصابة والترارزة، كما أن فكرة "ترئيسه" قابلة للتسويق في سياقات سياسية مختلفة، ولذلك، فإن سؤال مغادرته لا يتعلق بمجرد المغادرة، بل بما إذا كان النظام قد قرر تحييده خلال الفترة الماضية، ثم اطمأن إلى موقعه، أم أنه أخرجه ليختبر نياته، ولا سيما في ما يتصل بطموحاته الرئاسية.
حننا ولد سيدي: رفيق الأكاديمية
ثالث إثنين فى صورة جمعته بطالبين من أكاديمية مراكش وصلا رئاسة الجمهورية، ليس ذلك فحسب، فهو اضطلع بأدوار في المؤسسة العسكرية تُذكٍر، من بعض الوجوه، بالأدوار التي اضطلع بها غزواني مع عزيز، ولا سيما من حيث توليه شؤون الجيش، فلا غرابة والحال كذلك أن يرى نفسه خليفة محتملًا للرئيس، ومؤكد أن أهله وأنصاره يرونه كذلك، إن لم يكن بحكم مركزه الاجتماعي، فاعتبارا لعلاقته بالرئيس والأدوار التي قام بها وطبيعة مشاركته في العمل الحكومي.
وتمنح القناعة بأن الرئيس المقبل ينبغي أن يكون ذا خلفية عسكرية وزير الدفاع المغادر ميزة نسبية في حسابات أنصاره ومؤيديه، وهي ميزة يضيفونها إلى ما يرونه من عناصر أخرى تدعم طموحه.
ميزة أخرى تُحسب لحننا في قراءة مسار التنافس على الخلافة أنه، بحسب ما يظهر في المشهد، لم يدخل في مواجهة معلنة مع أي طرف، ولم يترجم طموحه إلى اصطفاف صريح ضد أحد أو معه، فعلاقته بالاستخلاف ظلت في حدود الطموح «المشروع» وتمنيات الأهل والأنصار، من دون أن تتحول إلى فعل سياسي مباشر أو إعلان صريح.
كل تلك المقومات، تشرع بالنسبة للرجل الحصيف حلمه فى الوصول للسلطة، على أن لا يصل الأمر لأن يكون حلم يقظة تشي بوجوده حركات دالة على الاعتقاد بعيشه واقعا.
يستحضر، في هذا السياق حركات لا إرادية عبرت عن ما حاك في النفس، كتلويحه لجمهور مستقبليه من فتحة سيارته الفوقية، تقمصا لسلوك الرؤساء في مثل تلك الوضعيات. تحقيقا لما حاك في النفس "من عزت لقريظ للشهرَ واجبار المديور..." ، لكن مع إغفال أن ذلك يكره أن يطلع عليه الناس، ورئيس الجمهورية منهم تحديدا؛ لان ردة فعله على ذلك المشهد "الإثم" كانت فورية ومباشرة، حيث خصص حيزا مهما من خطابه فى تمبدغه للحديث عن الشائعات المتعلقة بخلافته، مؤكدًا أنها بلا محل وخارج السياق، و مخاطبا لكل من ينشغل بأجندات 2029 أنه لا مكان له داخل الفريق.
لكن حننا لم يجد نفسه معنيًا مباشرة بذلك الخطاب، ولم يتفاعل معه كما فعل غيره ممن طُرحت أسماؤهم في سياق الخلافة، فظل صامتًا ولم يصدر عنه تعليق ظاهر بشأنه.
لكن خروج حننا يثير سؤالًا جوهريًا: هل جرى التنسيق معه، أم أنه أُخرج من الحكومة من دون تفاهم مسبق؟
إذا كان الخروج منسقًا، فقد يكون جزءً من ترتيبات لم تتضح معالمها بعد، أما إذا لم يكن كذلك، فإن تركه في منتصف الطريق يفتح بابًا للتساؤل عن طبيعة المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن إخراج شخصية سبق لها تولي مسؤوليات مهمة داخل المؤسسة العسكرية.
فإن كان لا يزال يحتفظ بقدرة على التأثير داخل المؤسسة، فتحييده من الحكومة لا يعني بالضرورة تحييد تأثيره، وقد يطرح ذلك تحديات أمام النظام، أما إذا لم تكن له تلك القدرة، فإن خروجه قد يكشف، في نظر خصومه، محدودية ما راكمه من نفوذ، ويجعل تحييده أقل أهمية مما يتصور أنصاره.
إنه، بهذا المعنى، منسجم مع فكرة الخلافة، وربما يراها أمرًا طبيعيًا، إن لم تكن قدرًا محتوما، لكن وضعيته ظلت حرجة؛ فلا هو قادر على فتح الموضوع مع الرئيس، ولا الرئيس فاتحه بالخصوص، ثم جاءت الإقالة في محطة لا تبدو نقطة انطلاق واضحة ولا نقطة وصول نهائية، لتزيد وضعيته تعقيدًا، وتترك الأسئلة معلقة بشأن ما إذا كان خروجه إبعادًا، أم إعادة تموضع، أم نهاية مرحلة من الطموح السياسي.
مغادرة وزراء العمل الحكومي: من يملك كلمة الفصل؟
حقيقة تفاصيل خلفيات مغادرة وزراء العمل الحكومي وتعيين خلفاء لا مجال للحسم بشأنها حدود المعروف عنها قطعيا ما رسم دستوريا من وجوب اقتران اقتراح الوزير الأول بإرادة رئيس الجمهورية لتعيينهم وإنهاء وظائفهم.
فى الممارسة العملية يخضع التعيين وإنهاؤه لاعتبارات سياسية واجتماعية وشخصية تدخل جميعها محددا أولا، ثم يكون الخيار في الاستوزار لرئيس الجمهورية ومع حصة للوزير الأول تقل وتكثر حسب درجة الثقة وحجم التكليفات والانتظارات.
عضوية الحكومة تأتى استحقاقا وظيفيا وتأتى ضرورة سياسية، كما تأتي تسوية في محاصصة بين أطراف متعددة تهتم السلطة بضمان ولائها مجتمعة.
ولد عبد الفتاح: حتمية الوجود
عكس الأدوار التي أسندت إليه في ما عرف بأزمة المرجعية التي مثلت أول تحد لرئاسة الرئيس غزواني، مدى الثقة التي يحظى بها داخل النظام الجديد.
وتعززت تلك الثقة بما طبع أداءه خلال تلك المهمة من نجاعة وما تحلى به كتمان سيرشحه لتولي المسؤوليات التي تحتاج مثل ذلك الأداء مستقبلا.
على المستوى الأسري تربط أهل بيته بالسيدة الأولى صداقة طفولة ليست الأولى فى تاريخ الأسرتين.
استدعاؤه لشغل حقيبة النفط والطاقة قبل انقضاء انتدابه كمفوض لمنظمة استثمار نهر السنغال، يعكس درجة حضوره في تفكير صانع القرار.
لذلك فمكانته داخل المنظومة لا يدين فيها للوزير الأول ولد إجاي بشيء، وهو وإن وصف بالصديق المقرب له، فإن ذلك لا يلغى كونه مصدر تهديد وجودي محتمل له؛ إذ يظل أحد الأسماء التي يمكن أن تُطرح في سياق البحث عن وزير أول قادم، ومن ثم، فإن وجوده في الحكومة لا يُقرأ فقط من زاوية حقيبته الوزارية، وإنما أيضًا من زاوية موقعه في شبكة العلاقات المحيطة بالرئيس.
عيساتا لام: أول امرأة تقود سفينة الصيد
بنت مدينة بوغي، وخريجة جامعة (H E C) الكندية ذائعة الصيت، والتي استقالت من إدارة الوكالة الموريتانية لترقية الاستثمارات لتثري سيرتها العلمية بمؤهل من جامعة (هارفارد) العريقة باهظة تكاليف رسوم التسجيل والدراسة.
لام الناشطة الحقوقية المهتمة بقضايا المسواة بين الجنسين تنجح بمجرد تعينها هذا في كسر الهيمنة الذكورية المطلقة على وزارة الصيد.
بالمقابل تبقى فرص نجاحها فى تسيير القطاع المثخن بالتجارب الفاشلة وسيطرة لوبيات متنفذة، محدودة للغاية.
معرفتها من قطاعات واسعة من الشعب اقترنت بمشهد زهوها بانتخاب سيدي ولد التاه رئيسا للبنك الإفريقي للتنمية. وفي أفق حملات متوقعة، يرى بعضهم أن وجودها ضمن الفريق الحكومي قد يمنحها فرصة لتكون جزءً من الفريق المنتصر، وأن تمارس مجددًا هوايتها في الرقص احتفاءً بانتصار "الفريق".
لكن ما بين رمزية التعيين والحسابات المرتبطة بالمستقبل، يبقى السؤال عن طبيعة الدور الذي ستؤديه في الوزارة، وما إذا كان انتقالها سيترجم إلى تغيير في إدارة القطاع وأولوياته، أم سيظل جزءً من ترتيبات الفريق الحكومي.
وزير الشؤون الإسلامية: فرصة عابرة أم بداية مسار؟
على الرغم من ترفيع وزارة الشؤون الإسلامية إلى مرتبة وزارة سيادية في عهد نظام ولد الغزواني، فإن نشاطها العملي ظل متركزًا بصورة خاصة على موسم الحج إلى "بيت الله"، الذي يصبح موعدًا سنويًا يتجدد معه الجدل والعجز عن رفع التحديات وعن إحكام السيطرة على تفاصيل القطاع على بساطتها.
الوزير الطبيب هو ثالث وزير يأتي إلى قطاع الشؤون الإسلامية من خارج دائرة التخصص، حيث ظل الاستوزار في ذلك القطاع محكوما بمنطق تقليدي قام على حكره على الزوايا وأهل الثقافة الدينية.
السلف المباشر للوزير الجراح متخصص في القانون وسلامة الأنشطة البحرية والمحيطات، معه هو أتى الدور على وزير محارب متخصص في جراحة الأعصاب.
والفارق بين المسارين واضح: الوزير السابق للشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، الفضيل ولد سيداتي ولد أحمد لولي، وصل إلى الوزارة في نهاية مسار بدأه بالصيد، وهو المجال الذي كان تخصصه ومحور اهتمامه وواقع ممارسته، أما الوزير الجديد، فيبدأ مساره الوزاري من بوابة الشؤون الإسلامية، في تجربة قد تفتح له الطريق إلى حقائب أخرى، أو تجعل هذه المحطة بداية ونهاية تجربته في التوزير.
أداء الوزير الجديد، ومدى مقبوليته لدى الرئيس، سيحددان إلى حد بعيد ما إذا كان سيستمر في مساره الحكومي خارج هذه الوزارة، أم ستنتهي تجربته عندها، وهكذا تصبح الوزارة فرصة عابرة في نظر البعض، بينما قد تمثل، بالنسبة إلى صاحبها، اختبارًا تأسيسيًا لمسار لم تتضح ملامحه بعد.
المختار ولد عبد الله آميجن: وزير أول ينضاف لوزراء أول
يعرف الوزيرً الأمين العام للحكومة في التشكيلة الجديدة اختصار بالمختار ولد آميجن، وهو أول حرطاني من أهل بتلميت يصل لمرتبة وزير، رغم ارتفاع نسبة التعلم والمستويات العالية في التكوين داخل أوساط واسعة من حراطين المدينة.
عين ولد الغزواني اسماعيل ولد بده وزيرا أول، ليكون بذلك ثاني وزير أول لموريتانيا من أهل المدينة بعد الرئيس المؤسس رحمه الله.
أما ولد آميجن فهو ثاني وزير أول من بتلميت يعينه الرئيس غزواني من مجموعات لم تستوزر من قبل؛ حيث سبقه إسماعيل ولد عبد الفتاح "أهل أحمد الفاللي" لهذا اللقب عند ما أصبح أول مستوزر من قبيلة أولاد أبيير من خارج فصائل: "أولاد انتشايت، أولاد خاجيل وأهل الشيخ سيديا"، المستأثرة منذ فجر الدولة بالاستوزار.
ولج ولد آميجن دائرة صنع القرار من مدخل المطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس غزواني واستقبل مهنئيه في بدلة عصرية وبربطة عنق تعبيرا عن تحمسه للعمل، لكن ذلك قد لا يكون كافيا لتألفه المنظومة وتمتنع عن لفظه والعودة لما ألفت، فتجربة سابقه إسماعيل ولد عبد الفتاح كأول وزير من خارج أهل الحظوة ، رغم ما أبداه من صرامة وحضور جلب له التقدير من جزء واسع من الرأي العام الوطني، تكشف أن المنظومة لا تقبل التعايش مع التجديد وتجد نفسها في اعتماد المعايير التي سمحت لها أن تستمر لأكثر من نصف قرن ،هي تاريخ الدولة على هذه الربوع.
عبد الله ولد سليمان الشيخ سيديا: تجربة لم تتضح حصيلتها بما يكفي
ليدخل ولد آميجن التشكيلة الحكومية من الطبيعي أن يخرج منها ابن مدينته عبد الله ولد سليمان الشيخ سيديا، وزير التنمية الاقتصادية السابق.
خروج عبد الله ولد سليمان في أول تعديل لحكومة ولد إجاي حسم بشأن التوقعات التي أثيرت بمناسبة تعيينه. بعد أن لم يقترن مروره بالوزارة التي تولى أمرها قبل ربع قرن من الزمن بتميز فارق في الأداء.
تجربة ولد سليمان على مدى السنتين من التكليف طبعها:
-تقزيم الوزارة بمناسبة تعيينه عليها حيث أخرجت المالية من مكوناتها؛
- تمسك الأمين العام بما اعتبره تكليفات داخلة في اختصاص، فاستأثر بصلاحيات واسعة على إثر تنازع مع الوزير لا مكرمة منه؛
-الحرص الزائد على البقاء ضمن التصور والمقاربة المقدمة من الوزير الأول ولد إجاي ليس للعجز عن تقديم مثل تلك المقاربات والتصور، ولكن تفاديا لتكرار تجربة الوزير سيد أحمد ولد أبوه الذي تصرف بكامل ماله من صلاحيات.
-الطبيعي أن تتاثر الحصيلة في النهاية بما تقدم، وبالمحصلة جاءت المغادرة لتثير سؤالًا عن طبيعة الدور الذي كان منتظرًا منه، وما إذا كانت التجربة قد دفعت إلى مراجعة التوقعات التي رافقت تعيينه.
التبكير بتعيينه مديرا لشركة (SEMAF - الشركة المشتركة لاستغلال سدي ماننتالي وفيلو) هو الدليل المادي على حدوث تلك المراجعة وانتقاله من موقع الشريك السياسي إلى موقع الموظف أو الأجير.
وزير الثقافة
قبل تعيينه وزيرًا للثقافة ناطقا باسم الحكومة، ظهر محمد ولد ببانه في مشهد استثنائي، حين نجح في إقناع الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، المقيم في منفاه الاختياري بقطر، بمجالسة الموريتانيين.
وقد عُدّ ذلك نجاحًا دبلوماسيًا يُحسب له، بالنظر إلى رمزية اللقاء وما يحمله من دلالات تتصل بعلاقة الرئيس السابق ببلده ومواطنيه.
لكن كثيرًا من الموريتانيين الذين شاهدوا ولد ببانه إلى جانب معاوية وتداولوا صورهما، ربما لا يعرفون تفاصيل تاريخه السياسي معه، فقد ترشح الرجل في أحد استحقاقات عهد معاوية ونجح، قبل أن يقع التزوير ضده، بحسب الرواية الواردة في هذا السياق، ما اضطره إلى حشد أنصاره وإقامة الحجة على النظام الذي أصر على عدم الاعتراف بنجاحه.
أما ظهوره الثاني اللافت، فكان من باركيول، حين ظهر مبشرًا بالمأمورية الثالثة في مهرجان جماهيري.
وتتحدث بعض الأوساط عن علاقة خاصة تجمعه برئيس الجمهورية، وعن كونه واحدًا من منظري الظل، قبل أن يصدر مرسوم تعيينه ناطقًا باسم الحكومة.
لكنه يأتي إلى وزارة صعبة المراس، بل يمكن وصفها، في التعبير المتداول، بأنها «الوزارة الملعونة الملغومة»؛ وهي وزارة لا يكفي فيها حسن الظهور أو امتلاك القدرة على الحديث، لأن إدارة العلاقة مع المثقفين و"المتكلمين"، والتعامل مع الأسئلة العامة، وتفسير السياسات الحكومية، تتطلب ما هو أبعد من الكاريزما والحضور.
من المؤكد أن ولد ببانه يمتلك أدوات «النطق»: حضورًا، وكاريزما، وقدرة على النقاش، واستعدادًا للحديث من دون عياء، لكن هذه المزايا، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإدارة قطاع تتشابك فيه مطالب الصحفيين مع حساسيات المثقفين والمتكلمين، وتتداخل فيه وظيفة الناطق باسم الحكومة مع وظيفة الوزارة المشرفة على الثقافة والإعلام، والعلاقات مع البرلمان.
وقد تسهّل مهمته طبيعة الوضع الذي ورثه عن سلفه، إذ يرى كثيرون أن الوزارة كانت في منحدر خطير خلال الفترة السابقة، على الرغم من أن المسار المهني لسلفه كان يوحي بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فقد كان الدكتور الحسين ولد مدو نقيبًا للصحفيين، ومطلعًا على مشاكلهم من موقعه رئيسا للهابا، ومفوهًا يمتلك قدرة على الحديث؛ وهي عناصر كان يفترض أن تمنحه أدوات النجاح، لكن حصيلته وممارسته فندتا تلك التوقعات وأفسدتا المعادلة.
وانتهى به الأمر إلى تسجيل سابقة أثارت جدلًا واسعًا، بوصفه أول وزير للإعلام يرفع قضية ضد صحفي، وهكذا تحولت مجموعة من المزايا التي كان يُفترض أن تساعده على النجاح إلى عناصر ارتبطت بإخفاق تجربته.
كما رأى هؤلاء أن ممارساته أفسدت فرحة الصحفيين بالتعهدات التي قدمها الرئيس لصالحهم، وهو ما يفسر، في نظرهم، الاحتفاء الكبير بمغادرته، خصوصًا لدى من سئموا ما وصفوه باللغة الخشبية والكلام الأجوف في الخطاب الرسمي.
وذهب بعضهم إلى أن خروجه أتاح للحكومة فرصة التخلص من عبء تواصلي كان في تقديرهم، مصدرًا للنقمة بدل أن يكون وسيلة لاستعادة التعاطف.
لكن هذه القراءة، وإن عبّرت عن انطباعات سياسية وإعلامية متداولة، تفتح نقاشًا أوسع من تقييم شخص الوزير السابق أو الجديد؛ إذ تتعلق بوظيفة الناطق باسم الحكومة ذاتها.
فالناطق ليس مجرد صوت ينقل القرارات، ولا مجرد واجهة تتولى الدفاع عن السياسات الحكومية، بل هو وسيط بين السلطة والمجتمع، ومن خلاله يتعرف المواطنون على مبررات السياسات، وحدود الإنجاز، وطبيعة المشكلات التي تواجه المؤسسات.
وحين يتحول الخطاب الرسمي إلى عبارات عامة لا تجيب عن الأسئلة، تصبح المشكلة في طريقة التواصل نفسها، لا في الشخص وحده، ولذلك، فإن تغيير الناطق باسم الحكومة لا يضمن تغيير الصورة ما لم يتغير مضمون الخطاب، وتصبح الإجابات أكثر وضوحًا، والاعتراف بالخلل أكثر صراحة، والمعلومات أكثر اتصالًا بالوقائع.
وهنا يبدأ امتحان ولد ببانه: هل يستطيع أن يحوّل الحضور والكاريزما إلى تواصل حكومي فعّال، أم أن الوزارة ستعيد إنتاج المشكلات ذاتها، مهما تغيرت الوجوه؟
وزير الداخلية الجديد: هل يدخل ولد بوسيف حسابات الخلافة؟
يكشف اختيار المختار ولد بوسيف وزيرًا للداخلية عن حجم الاعتناء به والثقة التي تعكسها التكليفات المتعاقبة التي أُسندت إليه؛ من إدارة شركة تسويق الأسماك، إلى وزارة العقارات، مرورًا بالصيد، وصولًا إلى الداخلية.
وتوحي هذه المسيرة، في نظر بعض المتابعين، بأن النظام يعتقد أن الرجل قادر على أداء الأدوار التي يُكلَّف بها، وأنه صالح للعمل في قطاعات مختلفة بحسب مقتضيات المرحلة.
لكن تعيينه في الداخلية، في هذا التوقيت تحديدًا، يفتح بابًا آخر للتأويل، خاصة في ظل الحديث عن الخروج الآمن، وبالتزامن مع مغادرة أحد الأسماء التي طُرحت في سياق الخلافة الرئاسية.
فهل يفكر الرئيس غزواني في إعداد ولد بوسيف لخلافته، أم أن تعيينه لا يتجاوز متطلبات المرحلة وإدارة القطاع؟
يرى بعض المتابعين أن طرح اسمه في هذا السياق قد تكون له ميزة سياسية محلية، إذ يوفر له سندًا على المستوى المحلي، فيما يمنحه اسمه العائلي ودرجة القبول التي يحظى بها والده على المستوى الوطني عناصر إضافية في أي قراءة لمستقبله السياسي.
وإذا كان غزواني يفكر في خلفاء مأموني الجانب، فإن ولد بوسيف قد يكون، وفق هذه القراءة، من الأسماء التي تستحق التوقف عندها.
أما على المستوى الإداري، فلن يجد الرجل، بحسب التقديرات، صعوبة كبيرة في خلافة ولد احويرثي، بالنظر إلى ما يُفترض توافره داخل القطاع من مجموعات قبلية وأطقم أساسية قادرة على خدمته وتوفير الإسناد اللازم لنجاحه.
ومن هذا المنطلق، فإن مجيئه إلى الداخلية يُقرأ باعتباره خطوة محسوبة، قد يكون من بين عناصرها وجود أطقم داخل القطاع على تواصل معه، ومعنية بنجاحه، وربما بمستقبله السياسي أيضًا.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تعكس هذه الثقة مجرد رغبة في تكليف الرجل بقطاع حساس، أم أنها تحمل إشارات تتجاوز الإدارة إلى حسابات الخلافة؟ لا يقدم التعيين وحده جوابًا حاسمًا، لكنه يضع ولد بوسيف في موقع يستحق المتابعة، خصوصًا في ظل التداخل القائم بين إدارة الداخلية وما يمكن أن تمنحه من حضور سياسي ومحلي.
با عثمان: المدني وزير الدفاع
انتقل با عثمان من إدارة المعادن إلى وزارة الدفاع، من دون أن تتضح بصورة كاملة الحسابات التي حكمت تعيينه، لكن مجيئه إلى المنصب يُقرأ، في سياق الجدل حول حننا ولد سيدي وما يُنسب إليه من أدوار ونفوذ، باعتباره عاملًا قد يعيد ترتيب موازين التأثير داخل القطاع.
فإذا كان با عثمان سيخلف حننا في الاضطلاع بالأدوار ذاتها، فإن ذلك سيقلص، وفق هذه القراءة، ما كان يُنسب إلى الوزير السابق من مساحة للمناورة والتأثير، وينزع الدسم من منصبه.
ولا تتوقف دلالة تعيين با عثمان عند استبدال وزير بآخر، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين وزير الدفاع وقائد الأركان، فوجود وزير مدني على رأس القطاع قد يعزز، عمليًا، موقع قائد الأركان بوصفه الطرف الأكثر اتصالًا بالتفاصيل العسكرية، خصوصًا إذا لم يكن الوزير الجديد ضليعًا في الشؤون العسكرية أو ذا صلة مباشرة بالمؤسسة.
وفي هذه الحالة يصبح قائد الأركان المتصرف الفعلي في شؤون القطاع، فيما يتحول الوزير إلى واجهة مدنية تتولى تمثيله سياسيًا وإداريًا.
وتعيد هذه الوضعية إلى الأذهان تجربة عاشها الرئيس غزواني ويعرف دلالاتها، حين أُسندت وزارة الدفاع إلى باتيا في فترة تولي غزواني قيادة الأركان.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان با عثمان سيملأ الفراغ الذي تركه حننا، بل بما إذا كان تعيينه سيعيد توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، ويمنح قائد الأركان مساحة أوسع في إدارة القطاع.
بين وزير الاقتصاد وخليفته في الزراعة: الخدمة العامة وطموح السياسة
يمثل وزير الاقتصاد والتنمية الجديد محمدو أحمدو امحيميد نموذجًا لوزراء الخدمة العامة، ممن تبتعثهم الدولة إلى حيث تقتضي الحاجة، فيما يظل أقصى طموحهم، الوصول إلى منصب الوزير والاستمرار في أداء مهامهم ضمن الفريق الحكومي.
أما خليفته في وزارة الزراعة والسيادة الغذائية، المهندس أحمد بابه ولد اعلي، فقد جاء إلى التوزير عبر محطة التعيين مستشارًا في الرئاسة؛ إذ كان تعيينه في ذلك المنصب، مؤشرًا مبكرًا على أن وجهته التالية ستكون الحكومة.
ويُعرف أحمد بابه ولد اعلي بتفوقه الدراسي في مختلف المراحل، وحصوله على جائزة بورقيبة، وقد جذبه القطاع الخاص فترة من الزمن، لكن عودته إلى العمل العمومي بعد تجربته في القطاع الخاص قد تمنحه فرصة للاضطلاع بدور مختلف، خصوصًا أن اهتمامه يتجاوز الإدارة إلى السياسة، والاعتناء به، في هذا التوقيت الذي تدخل فيه المأمورية نصفها الأخير له أكثر من تفسير محتمل، فهو طرف في الحملة الأولى لغزواني، وينتمي إلى المحيط الأسري للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، كما يحاول أداء أدوار سياسية، كان آخرها ظهوره الملحوظ خلال الزيارة الأخيرة لولاية إينشيري.
وبتعيينه وزيرًا للزراعة والسيادة الغذائية، يعود إلى القطاع الذي بدأ فيه مساره الوظيفي، حين اكتُتب موظفًا في وزارة التنمية الريفية، قبل أن يقضي فترة من الانتجاع المهني في القطاع الخاص.
وقد استهل خطابه في وزارته الأم بالإشارة إلى أن تجربته في القطاع الخاص علمته أن تتصدر النتائج أولوياته، وأن تظل المردودية حاضرة في حساباته، وهي رسالة توحي بأن الرجل يريد أن يجعل من الأداء والنتائج عنوانًا لتجربته الجديدة.
وبذلك، فإن التحدي أمامه لا يقتصر على إدارة قطاع يرتبط بالأمن الغذائي والسيادة الزراعية، بل يشمل أيضًا ترجمة خبرته المهنية وطموحه السياسي إلى نتائج ملموسة، في مرحلة يُنتظر فيها أن تتقدم المردودية على الشعارات.
الناها بنت مكناس: الرجوع بعد الفراق
عودة الناها بنت مكناس إلى وزارة الصحة، بعد سنتين من الفراق، تطرح سؤالًا جوهريًا عن مبررات التدوير الوزاري ومعايير التعيين: ما الذي يجعل وزيرًا يغادر قطاعًا ثم يعود إليه من بوابة قطاع آخر؟ وما الذي يحدد طبيعة التكليف الوزاري؟
في الموروث الشعبي، ثمة اعتقاد بأن السيدات حين يغادرن أماكنهن لا يرجعن إليها إلا بمغريات جديدة، فهل عادت الناها على هذا الأساس، أم أن الأمر يتعلق بحسابات حزبية وانتخابية فرضت عودتها إلى الفريق الحكومي؟
السؤال هنا ليس موجهًا إلى الوزيرة بنت مكناس بقدر ما هو موجه إلى منظومة التعيين نفسها، وإلى الأسس التي يقوم عليها التكليف بالمسؤوليات الوزارية وإعادة توزيعها.
فوق هذا وذاك تعتبر الناها وزيرة لا تحب الظهور، كما أن الوزارات الخدمية قد تشكل عبئًا عليها، وربما تضعها أمام متطلبات لا تتناسب مع طبيعة مسارها السابق.
ويُذكر أن المختار ولد اجاي، حين عُيّن وزيرًا أول، حاول الاستغناء عنها ضمن فريقه الحكومي، وطلب منها ترشيح أحد قادة حزبها للتوزير، لكنها رفضت، قبل أن تعود إلى الحكومة بإرادتها وإرادة ناخبيها.
غير أن عودتها جاءت هذه المرة في ثوب امتحان، من خلال تكليفها بوزارات خدمية؛ فقد بدأت بالإسكان، ثم عادت اليوم إلى الصحة، وهما قطاعان يتطلبان حضورًا ميدانيًا وتفاعلًا مباشرًا مع المواطنين، على نحو قد لا يتناسب مع طبيعة المسار الذي بدأت به، حين كانت وزيرة مستشارة بالرئاسة، أي وزيرة من دون حقيبة تنفيذية خدمية بالمعنى المباشر.
واليوم، تجد الناها نفسها أمام اختبار مختلف، وقد ظهر ذلك في خروجها الميداني بعد أسبوع من تعيينها، لتأخذ التزامات في قطاعات حساسة تتصل بحياة المواطن اليومية.
وتظل الناها، «قذى في أعين» كثير من الموريتانيين «إوار عين»، كما يعبّر الموروث الشعبي، بما يعكس حجم التحفظات التي يثيرها وجودها في الحكومة لدى بعض الأوساط.
ومع ذلك، فإن مبرر استوزارها يبدو واضحًا في القراءة الحزبية والانتخابية: حزبها يشارك في الاستحقاقات الانتخابية، ويحصد مقاعد نيابية، لتكون الحقيبة الوزارية جزءًا من المقابل السياسي الذي يضمن استمرار مشاركتها في الحكومة، فيما يكتفي أنصار الحزب بما يحققونه من تمثيل انتخابي.
وهكذا، فإن عودة الناها لا تُقرأ فقط بوصفها استعادة لمنصب وزاري، بل بوصفها اختبارًا للعلاقة بين التمثيل الحزبي والتكليف الحكومي، وبين ما تفرضه التوازنات السياسية وما تتطلبه القطاعات الخدمية من حضور وأداء.
الوزيرة الأمينة العامة للرئاسة: حين يصنع المنصب رأيًا انطباعيًا
تتمتع الدكتورة عيساتا با يحيى، الوزيرة الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية، بحضور يلفت انتباه الرأي العام، سواء من خلال حديثها بلغة عربية سليمة، أو من خلال زيها المحافظ، وهو ما منحها قبولًا لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
كما أن مسارها في المناصب الوزارية، الذي بدأ بتوليها منصب الوزيرة الأمينة العامة للحكومة عام 2023، ثم انتقالها إلى منصب وزيرة مستشارة بالرئاسة عام 2024، ظل بعيدًا عن القطاعات الخدمية التي تضع المسؤول في تماس مباشر مع المواطنين.
ومن هنا، فإن الرأي العام بشأنها يظل إلى حد بعيد رأيًا انطباعيًا، لا يستند إلى تجربة مباشرة مع أدائها في إدارة الخدمات أو معالجة المشكلات اليومية للمواطنين.
فوظائفها السابقة لم تكن على تماس مباشر مع الجمهور، ولذلك تشكلت صورتها العامة من خلال الانطباعات المتعلقة باللغة والمظهر والمسار الإداري، أكثر مما تشكلت من خلال حصيلة تنفيذية يمكن قياسها.
أما المنصب الذي تولته في التعديل الحكومي الأخير، فعلى أهميته في هيكل السلطة، فإن موقعه العملي قد يتأثر بطبيعة وجود الوزير مدير الديوان، الذي في ظل هيمنة على مسار العمل داخل الرئاسة، وتعاظم دوره، يتحول منصب الوزير الأمين العام للرئاسة إلى ما يشبه مدفنًا للسياسيين، بدل أن يكون منصةً فاعلة للتأثير في القرار.
وبين المكانة الرسمية والقدرة الفعلية على التأثير، يبقى السؤال عن حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه عيساتا با يحيى في موقعها الجديد، ومدى قدرتها على تحويل الرصيد الانطباعي إلى حضور مؤسسي واضح.
محمد عالي ولد سيدي محمد: تعيين بلا تأثير؟
دفع التعديل الحكومي الجديد بمحمد عالي ولد سيدي محمد إلى منصب وزير مستشار بالرئاسة، في خطوة يراها بعض المتابعين تعيينًا محدود التأثير، أقرب إلى ملء خانة في الترتيبات الجديدة منه إلى إسناد دور تنفيذي واضح.
فهو، وفق هذه القراءة، وزير بلا وزارة، جاء تعيينه بالتزامن مع مغادرة ابن عمه منصبًا مهمًا، بما يثير التساؤل عن مدى ارتباط القرار بترتيبات التعويض وإعادة توزيع المواقع داخل محيط السلطة.
لكن تقييم دلالة المنصب يظل مرتبطًا بما سيُسند إلى صاحبه من مهام فعلية، لا بالمسمى الوظيفي وحده؛ فالمناصب الاستشارية قد تكون محدودة التأثير في بعض الحالات، وقد تتحول في حالات أخرى إلى مواقع ذات وزن بحسب طبيعة الملفات التي تتولاها.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان تعيين محمد عالي ولد سيدي محمد سيظل مجرد إجراء شكلي، أم أنه سيكتسب مضمونًا عمليًا لم تتضح معالمه بعد.
التنمية الحيوانية: فلسفة إبراء ذمة الدولة
حمل التعديل الحكومي أحمديت ولد الشين إلى منصب وزير التنمية الحيوانية، في سنة توحي معطياتها بغياب الانتجاع في مالي، وبموسم خريف متوسط، وفي مثل هذه الظروف، يصبح تعيين وزير من أبناء المنطقة الرعوية الأولى في موريتانيا ذا دلالة تتجاوز مجرد تغيير شاغل الحقيبة؛ إذ يمكن قراءته باعتباره إجابة مبكرة من الدولة على تطلعات المنمين، خصوصًا في الحوض الشرقي، وإعادة توزيع للمسؤولية عن معالجة المشكلات المتوقعة في القطاع.
فالتحديات المرتقبة في التنمية الحيوانية دفعت الدولة، وفق هذه القراءة، إلى تقديم ولد الشين بوصفه المسؤول الذي سيتولى مواجهة تلك الملفات، مسلحًا بأهليته لاقتراح الحلول، وبقدرته المفترضة على إيصال خطاب الدولة إلى المنمين والتواصل معهم بلغتهم الاجتماعية والجهوية.
كما يبدو تعيينه واضح الدلالة في سياق الاستحقاقات المنتظرة؛ فهو ينتمي إلى إحدى الكتل الانتخابية الرئيسية في البلاد، وينحدر من منطقة ترتبط مصالحها مباشرة بأوضاع الثروة الحيوانية والمراعي والانتجاع.
ويطرح ذلك احتمال أن يكون التعيين محاولة لتقريب الدولة من الفئات التي ستتحمل بصورة مباشرة تبعات الموسم، وإسناد مسؤولية إدارة الأزمة المحتملة إلى شخصية من داخل البيئة الاجتماعية المعنية بها.
وهكذا، يمكن فهم التعيين ضمن فلسفة إبراء ذمة الدولة: أن تتقدم الدولة بخطوة استباقية، وتضع الملف في عهدة وزير من المنطقة المعنية، بما يجعل المسؤولية عن المعالجة أكثر تحديدًا، ويمنح السلطة مساحة للقول إنها استجابت مبكرًا للتحديات.
أما وزير الإسكان الجديد، فهو خبير في الوزارة، يعرف ما فيها من صالح وطالح.
خاتمة: وجوه جديدة وأسئلة قديمة
هؤلاء هم أعضاء الحكومة الجدد، وهذه أبرز القراءات التي يثيرها دخولهم وخروج أسلافهم من المشهد الحكومي، لكن التغيير في الأسماء والمواقع لا يقدم، وحده، جوابًا عن الأسئلة المتعلقة بفعالية الحكومة، وطبيعة التوازنات التي تحكمها، ومدى قدرة الوزراء الجدد على العمل ضمن فريق واحد.
فهل يستطيع القادمون الجدد تحقيق الانسجام مع زملائهم الذين سبقوهم إلى المناصب؟ وهل ستتحول التعيينات إلى فرصة لتجديد الأداء وتجاوز اختلالات المرحلة السابقة، أم ستظل محكومة باعتبارات التوازنات السياسية والاجتماعية وحسابات الاستحقاقات المقبلة؟
ثم ما مقدار الاستقلالية التي سيتمتع بها كل وزير في إدارة قطاعه؟ وما حدود تأثير الوزير الأول في تشكيل الفريق الحكومي وتوجيه أدائه؟ وأي مساحة ستبقى للإنجاز الفعلي وسط حسابات التوازنات والخلافة وإعادة توزيع النفوذ؟
في الحلقة المقبلة من تحليل «نوافذ»، للتعديل الحكومي ننتقل من قراءة الأسماء ودلالات خروجها ودخولها إلى امتحان الأداء: مدى قدرة الوزراء الجدد على تحقيق الانسجام الحكومي، والوفاء بالانتظارات، وتحويل التغيير الوزاري من إعادة توزيع للمواقع إلى نتائج يلمسها المواطن
#نوافذ

