ما يجب أن يعرفه الموريتانيون عن ال«صمود» الذي يستهدف السودان / عبد الله الشنقيطي

أربعاء, 07/10/2026 - 13:14

السودان بلد عربي وإفريقي محوري، يقع على البحر الأحمر، وله امتدادات وحدود مباشرة وغير مباشرة مع ملفات مصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإريتريا، ولذلك فإن انهيار الدولة السودانية أو تقسيمها، لا سامح الله، لن تكون تداعياته محصورة داخل السودان، بل ستتجاوز حدوده لتطال أمن المنطقة واستقرارها.
ومن هنا تأتي أهمية أن ينظر الموريتانيون إلى ما يجري في السودان باعتباره قضية تتصل بالأمن العربي والإفريقي، وبأمن البحر الأحمر، وباستقرار منطقة الساحل والقرن الإفريقي، وليس مجرد صراع داخلي بعيد عن تداعياته الإقليمية والدولية.
ماذا جرى؟
مع المحاولة الفاشلة لإسقاط الدولة السودانية في 15 أبريل 2023، من خلال تحريك ميليشيات الدعم السريع، التي كانت في الأصل قوة نظامية قبل أن تصنفها الدولة لاحقًا كقوة متمردة خارجة على القانون، للسيطرة على مؤسسات الدولة ومواقعها الحيوية، ومحاولة اغتيال رئيس مجلس السيادة الحاكم، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بمجرد مواجهة عسكرية عابرة.
لقد كشفت تطورات الأحداث أن المخطط،  الذي حظي بدعم خارجي كبير، وبتمويل وتسليح هائلين من دولة عربية للأسف، لم يعتمد فقط على العمليات العسكرية التي نفذتها الميليشيات، وإنما كان له أيضًا ظهير سياسي من شخصيات سودانية شاركت في المشهد السياسي الذي أعقب ثورة 2019.
فانتقل هؤلاء، من موقع المشاركة في الحياة السياسية السودانية إلى الارتهان لقوى خارجية، في مواجهة الدولة السودانية ومؤسستها السيادية المتمثلة في جيشها القومي، الذي ظل، صمام أمان لوحدة البلاد ومؤسساتها، وتمكن من إفشال مشروع الاستيلاء على الدولة.
 وهذا الظهير السياسي للميليشيات، ليس سوى ما يعرف بتحالف «صمود»، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وجماعته.
فدور «صمود»،  لم يقتصر على الدفاع عن الدعم السريع في المنابر الإعلامية والسياسية الدولية، وإنما امتد إلى المشاركة في صناعة رواية تستهدف تشويه صورة الدولة السودانية وجيشها، من خلال ترديد اتهامات، من بينها مزاعم استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، وهي اتهامات  تعتبر جزءًا من حملة إعلامية وسياسية تستهدف الجيش ومؤسسات الدولة.
لكن ما كشف، أكثر من أي شيء آخر، حقيقة المواقف السياسية للقوى السودانية، هو حجم الجرائم والفظائع التي ارتكبتها ميليشيات الدعم السريع في مناطق مختلفة من السودان، وخاصة في الفاشر وولاية الجزيرة وغيرها من المناطق التي شهدت انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وقد وثقت أجهزة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية جانبًا كبيرًا من هذه الانتهاكات، بما في ذلك عمليات قتل واستهداف للمدنيين وجرائم وعنف وانتهاكات واسعة النطاق.
ومع ذلك، فإن «صمود»  لم يكن بالوضوح والحزم نفسيهما في إدانة هذه الجرائم، وأن صمته، بل ودفاع بعض مكوناته عن الدعم السريع، يثير تساؤلات جدية حول حقيقة موقعه من هذه الانتهاكات ومن القوى التي ارتكبتها.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الحرب واستخدام الطائرات المسيّرة في استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، بما فيها محطات الكهرباء وخزانات الوقود والمستشفيات، الأمر الذي يجعل الامر يتعلق باستنزاف ممنهج لمقومات الدولة وحياة المواطنين.
ولعل آخر فصول هذا المشهد هو انتقال جانب من النشاط السياسي والإعلامي المعادي للدولة السودانية، من تلك الدولة العربية الراعية لها وبعض الدول الإفريقية المجاورة للسودان إلى بريطانيا، من خلال السعي إلى فتح مكاتب في لندن والاستعداد لإطلاق قناة فضائية تعمل على تقديم رواية سياسية وإعلامية تستهدف صورة السودان وقياداته ومؤسساته.
وهكذا لم تعد المعركة، بالنسبة إلى هذا التيار، مقتصرة على الداخل السوداني، وإنما أصبحت لها ساحات جديدة في العواصم الغربية، حيث يجري العمل على التأثير في الرأي العام وصناع القرار، وإعادة صياغة صورة الصراع السوداني بما يخدم أهدافًا سياسية محددة.
وفي السياق نفسه، تعاقدت «صمود»، بحسب المعلومات المتداولة، مع شركة ذات سجل وعلاقات سابقة مع جهات  إسرائيلية، بهدف التأثير في صانع القرار الأمريكي وتقديم خطاب سياسي يسعى إلى التأليب على الدولة السودانية وجيشها القومي.
ويثير هذا التعاقد، وفق منتقدي «صمود»، أسئلة سياسية وأخلاقية كبيرة، ليس فقط بسبب طبيعة الجهات التي سبق للشركة أن تعاملت معها، وإنما بسبب الدور الذي تقوم به شركات العلاقات الحكومية والضغط السياسي في التأثير على دوائر القرار الأمريكي.
فهذه المؤسسات تعمل، في العادة، من خلال الاتصال المباشر بشخصيات نافذة ومؤثرة في الإدارة الأمريكية والكونغرس ومراكز القرار، وتقدم لعملائها خدمات تستهدف تحسين صورتهم والتأثير في السياسات والمواقف الرسمية تجاه الملفات التي تهمهم.
وفي حالة «صمود»، فإن الرسالة التي يجري تسويقها لصانع القرار الأمريكي تقوم على التماهي مع بعض المصالح والاستراتيجيات الأمريكية في السودان، وفي أمن البحر الأحمر، ودعم اتفاقات التطبيع الإبراهيمي، إلى جانب تبني رؤى اجتماعية وفكرية تتعلق بالجندر والنوع والأسرة، ومواجهة ما يوصف في الخطاب الغربي بـ«الإسلام السياسي».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تحالف مدني سوداني يسعى فعلًا إلى وقف الحرب وبناء دولة سودانية مستقلة وموحدة، أم أمام مشروع سياسي جديد يستعين بالخارج لإعادة تشكيل مستقبل السودان وفق أجندات ومصالح تتجاوز الداخل السوداني؟
بعد كل هذا الانكشاف، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقًا بالشعارات التي يرفعها «صمود»، وإنما بالأفعال والمواقف والتحالفات والجهات التي يتحرك من خلالها.
فالسودان، في نهاية المطاف، ليس مجرد ساحة للصراع بين قوى محلية، ولا ورقة في صراع إقليمي ودولي؛ وإنما دولة عربية وإفريقية ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية، وأي محاولة لإضعاف مؤسساتها أو تفكيكها ستكون لها تداعيات تتجاوز حدودها.
ولهذا، فإن ما يجب أن يعرفه الموريتانيون هو أن المعركة على السودان لا تدور فقط في الميدان، وإنما تدور أيضًا في الإعلام، وفي المنظمات الدولية، وفي العواصم الغربية، وفي مراكز صنع القرار.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: بعد كل ما تكشف من مواقف وتحالفات واتصالات خارجية، هل يستطيع «صمود» أن يقدم نفسه مرة أخرى باعتباره مجرد مشروع مدني محايد يسعى إلى إنقاذ السودان، أم أن دوره الحقيقي أصبح أكثر وضوحًا أمام الرأي العام السوداني والعربي والإفريقي؟.