حين تكسب موريتانيا ثقة المانحين / أحمد ولد علال

ثلاثاء, 29/09/2026 - 13:26

تختلف التمويلات التي تقدمها المؤسسات الدولية المانحة بحسب طبيعتها وشروطها والغاية منها؛ لذلك لا يصح التعامل مع كل مبلغ مُعلن باعتباره قرضاً واحداً أو ديناً بالشروط نفسها؛ وهذا ما لا يفهمه الكثير من المتحدثين عن هذه المواضيع …

فهناك أنواع من التمويلات تعتبر أموال لا تُسدَّد، ولا تترتب عليها فوائد، و أقصى ما قد يصاحبها مجرد شروط تتعلق بأوجه الصرف أوالتقارير والنتائج.

وهناك أنواع من القروض تموّل الخدمات والبرامج ذات الأثر الاجتماعي، وتخفف الحاجة على المواطنين وفي أغلب الأحيان تكون مجانية.

وهناك نوعيات من القروض الميسّرة؛ قروض بفوائد معدومة أو منخفضة، وآجال سداد طويلة مع فترات سماح؛ وتتحدد شروطها وفق دخل الدولة ومخاطر مديونيتها.

كما توجد قروض أخرى تتيح تمويل استثمارات تنموية بكلفة أقل على الميزانية، مع توزيع السداد على مدة أطول.

وهناك القروض غير الميسّرة أو القريبة من شروط السوق؛ وتُسعّر عادةً وفق معدل مرجعي وفارق تمويلي ورسوم، وقد تكون الفائدة ثابتة أو متغيرة؛ وتتباين كلفتها بحسب الجهة الممولة والعملة والأجل ومخاطر الدولة.

وهناك قروض لدعم الميزانية

وهي في الأساس تمويل يُحوّل إلى خزينة الدولة لدعم الإنفاق العام أو لدعم برنامج إصلاحي، وقد يرتبط بإجراءات أو مؤشرات متفق عليها ؛ يساعد على تمويل الأولويات الوطنية، وتخفيف الضغوط على السيولة والميزانية، ولا سيما خلال الأزمات أو فترات الإصلاح…

أما تمويل المشاريع فعادة ما يُخصص لمشروع أو قطاع محدد، مثل الطرق أو المياه أو الصحة أو الطاقة أو الزراعة …، وتخضع مصروفاته لمتطلبات التنفيذ والرقابة والتقييم؛ ويرتبط التمويل بأهداف ومخرجات يمكن متابعتها، ويسهم في إنشاء البنية التحتية وتحسين الخدمات.

وهناك أيضاً ما يسمى بالمساعدة الفنية والخبرة؛ وتشمل الدراسات وبناء القدرات والاستشارات، وقد تُقدم بمنحة أو تمويل منفصل وكثيرا ما يكون مجانيا..

ما يحز في النفس أن الكثير من المنظرين لا يعرفون أن المؤسسات المانحة لا تمول كل من هب ودب وإنما تمول من توفرت فيه الضمانات وتأكدت قدرته على تسديد ديونه .

كما لا يعرف البعض أن دولا عظيمة ورائدة تحتاج إلى القروض باستمرار وخاصة من البنك الدولي .

إن أحدث ترتيب سنوي رسمي متاح للسنة المالية 2025، والذي يمتد من 1 يوليو 2024 إلى 30 يونيو 2025.
كانت أكبر تمويلات البنك الدولي للدول التالية:

1. البرازيل — 3.86 مليارات دولار
2. تركيا — 3.79 مليارات
3. الأرجنتين — 3.73 مليارات
4. أوكرانيا — 3.14 مليارات
5. الفلبين — 2.86 مليار
6. إندونيسيا — 2.75 مليار
7. الهند — 2.35 مليار
8. المغرب — 1.77 مليار
9. جنوب أفريقيا — 1.50 مليار
10. بيرو — 1.21 مليار

لقد كشفت الأرقام المعلنة عن توسّع ملحوظ في محفظة تمويلات البنك الدولي لموريتانيا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ قاربت التمويلات المعتمدة بين عامي 2019 و2026 ما حصلت عليه البلاد خلال العقود السابقة مجتمعة؛ ويعكس هذا التحول تنامي حضور موريتانيا في برامج المؤسسات الدولية، وقدرتها على استقطاب موارد خارجية لدعم أولوياتها التنموية.

وتكتسب هذه التمويلات أهميتها من طبيعتها وشروطها، لا من حجمها وحده؛ فالقروض الميسرة طويلة الأجل والمنح تتيح تمويل مشاريع وبرامج تتجاوز أحياناً الإمكانات المتاحة في الميزانية الوطنية، وتساعد على توجيه الموارد نحو قطاعات معينة؛ كما يمكن لبعض أدوات التمويل أن تخفف الضغط على الميزانية، وتدعم تنفيذ السياسات العامة، بحسب طبيعة كل عملية وشروطها.

ويُعدّ استمرار التمويل وتوسّعه مؤشراً على ثقة الشركاء الدوليين وفي قدرة الدولة على التعاون معهم، وعلى اعداد المشاريع، والوفاء بالالتزامات المؤسسية والمالية المرتبطة بها. 

غير أن هذه الثقة لا تُقرأ بمعزل عن نتائج التمويل؛ فقيمتها الحقيقية تظهر حين تتحول الموارد إلى خدمات وبنى تحتية وفرص عمل، وتُحدث أثراً ملموساً في حياة المواطنين.

ومن المهم كذلك التمييز بين التمويلات التي تمت الموافقة عليها، والمبالغ التي صُرفت فعلياً، والدين القائم الذي يتعين سداده. 

فمجموع التمويلات التاريخية،لا يعني أن المبلغ كله أصبح ديناً على الدولة؛ إذ يتضمن منحاً وقروضاً متفاوتة الشروط؛ فيما تشير البيانات إلى سداد نسب كثيرة من هذا الدين.

وهكذا يظل تقييم الأثر المالي رهيناً بتحليل مكونات المحفظة، وآجال القروض، وكلفة خدمة الدين، ومردودية المشاريع الممولة.

وعليه، فإن وجاهة هذه التمويلات لا تُقاس بحجمها أو بتسارعها فحسب، بل بمدى انسجامها مع الأولويات الوطنية؛ وجودة تنفيذها، وشفافية إدارتها، وقدرتها على تعزيز التنمية المستدامة؛ وهو ما تعزز في بلدنا خلال السنوات الأخيرة وبشهادة الممولين أنفسهم..

 أخلص القول إلى أن التمويل  الدولي يعتبر رافعةً للتنمية باعتباره مكملا للجهد الوطني، كما يوسع فرص الاستثمار في القطاعات المنتجة، ويحقق نتائج قابلة للقياس، مع الحفاظ على توازن المالية العامة ..

#نوافذ