
حين تتكلم الجغرافيا بلغة السياسة يصبح اختيار المكان رسالة في حد ذاته
اختيار الوزير محمد ولد اسويدات مصب واد كتي، لقضاء أيام من عطلته السنوية، لا يبدو في نظر المتابع للمشهد البركني مجرد اختيار عابر لمكان جميل أو مناسب للراحة، فالمكان هنا يحمل أكثر من دلالة: جغرافية، وذاكرة شعبية، وامتدادًا اجتماعيًا، وربما رسالة سياسية أيضًا.
والمقارنة تصبح أكثر إثارة حين نضع هذا الاختيار إلى جانب اختيار الوزير الأول المختار ولد أجاي «ضفاف الواد لبيظ» لقضاء عطلته.
فإذا كان الواد لبيظ يمثل منطلق الوديان ومجاريها الأولى، فإن واد كتي يأتي في الطرف الآخر من الرحلة: المصب، حيث تنتهي المياه بعد أن قطعت مسافتها.
ومن هذه الزاوية الرمزية، يمكن قراءة الاختيار على أنه يقول: البداية كانت هناك، عند المنطلق، لكن الحكاية لا تكتمل إلا هنا، عند المصب؛ وهي قراءة سياسية رمزية، لا بالضرورة رسالة معلنة، لكنها تظل جديرة بالتأمل.
وللمكان أيضًا خصوصيته في ذاكرة أبناء عمومة ولد اسويدات، فالضفة الشمالية لواد كتي ليست مجرد نقطة على الخريطة بالنسبة إلى الرجل؛ إنها تقع في منطقة تماس بين ربوع أبناء عمومته «أزماريك» حماة الثغور الجنوبية للمقاطعة، وبين أبناء عمومته في المركز، حيث أهل اشفاغ ابريهم وما يمثلونه من حضور ورمزية سياسية واجتماعية.
وبالتالي فإن اختيار هذه النقطة بالذات يمكن أن يُقرأ رمزيًا، باعتبارها موقع وصل بين ضفتين، وبين امتدادين اجتماعيين وسياسيين، وكأن الرسالة تقول إن صاحب المكان يريد أن يكون هو الآخر نقطة التقاء، لا طرفًا في قطيعة؛ وأن حضوره السياسي يستند إلى القدرة على جمع دوائر النفوذ والعلاقات حول نقطة مشتركة.
وهنا تكتسب كلمة «المُعَرَّس» نفسها معنى يتجاوز المكان بوصفه منتجعًا أو فضاءً للراحة، فهو فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالأنساب، والذاكرة المحلية بالحاضر السياسي، وتتحول فيه العطلة إلى مناسبة لاستقبال الأعيان والفاعلين وإعادة إنتاج الحضور.
لذلك، ربما لا يكون السؤال: لماذا اختار ولد اسويدات هذا المكان؟
بل: ماذا أراد أن يقول باختياره؟
وإذا كان أعداؤه قبل أصدقائه يرونه رقمًا حاضرًا في المعادلة السياسية البركنية، فإن اتساع دائرة الحضور حول «المُعَرَّس» يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان الرجل بصدد تثبيت موقعه داخل معادلة أكبر من حدود الولاية.
في النهاية، قد يكون كل ذلك مجرد قراءة رمزية لا أكثر، وقد تكون الجغرافيا قد اختيرت لاعتبارات شخصية بحتة، لكن في السياسة، حتى المصادفات تصبح قابلة للتأويل، خصوصًا حين يكون المكان محمّلًا بكل هذه الذاكرة والدلالات.

