إفريقيا تغلي... الوقود يشعل احتجاجات دامية وإضرابات واسعة

خميس, 21/05/2026 - 15:22

دخلت دول أفريقية عدة في موجة اضطرابات اجتماعية واقتصادية متصاعدة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، مع انتقال تداعيات الحرب في المنطقة وتعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الأفريقية، ما أدى إلى احتجاجات دامية وإضرابات واسعة شلّت قطاعات النقل وأغلقت مدارس وأسواقاً في عدد من الدول. وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز اليوم الأربعاء، فإن ارتفاع أسعار الوقود أشعل احتجاجات دامية في كينيا وجزر القمر، وإضرابات واسعة في موزامبيق، بينما اضطرت حكومات أفريقية إلى اتخاذ إجراءات طارئة بعد تضخم فاتورة دعم الوقود وعجزها عن احتواء الأسعار. وقالت الصحيفة إن أسعار الديزل والبنزين قفزت بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة مع بدء انتقال الصدمة الاقتصادية للحرب في المنطقة إلى المستهلكين في أفريقيا، مشيرةً إلى أن الحكومات حاولت في البداية تخفيف تأثير الأزمة عبر دعم الوقود أو تثبيت الأسعار، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الاستيراد دفعها إلى تقليص الدعم وتمرير الزيادات إلى المستهلكين.

شلل في كينيا

وفي كينيا، أدّى قرار الحكومة رفع أسعار الديزل بنسبة 23.5% إلى اندلاع احتجاجات واسعة هذا الأسبوع قتل خلالها أربعة أشخاص وأصيب نحو 30 آخرين. كما تسبب إضراب النقل العام في شلل واسع للحركة الاقتصادية وإغلاق مدارس ومتاجر في عدة مدن. وقال السياسي المعارض الكيني فريد ماتيانغي في خطاب هذا الأسبوع: "استعدوا جيداً... الأسوأ لم يأت بعد". وقالت رويترز، أمس الثلاثاء، إن الحكومة الكينية اضطرت إلى تعليق إضراب النقل العام لمدة أسبوع بعد مفاوضات مع اتحادات مالكي الحافلات والحافلات الصغيرة، عقب احتجاجات واسعة اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب في المنطقة، في وقت شهدت فيه العاصمة نيروبي انتشاراً أمنياً كثيفاً واشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

ونقلت رويترز عن وزير الداخلية الكيني كيبتشومبا موركومين قوله إن الحكومة توصلت إلى اتفاق مؤقت يقضي بتعليق الإضراب لمدة أسبوع لإفساح المجال أمام مزيد من المفاوضات بين السلطات ومشغّلي النقل، بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات في التوصل إلى تسوية. ورغم موافقة الحكومة على خفض سعر الديزل بنحو 10 شلنات كينية للتر، فإن اتحادات النقل اعتبرت القرار غير كاف، إذ طالبت بخفض أكبر يصل إلى 46 شلناً للتر، باعتبار أن الديزل يمثل الوقود الرئيسي المستخدم في النقل العام والبضائع.

وقال وزير الطاقة الكيني أوبيو واندايي إن خفض السعر بمقدار 10 شلنات سيكلف الحكومة نحو 2.7 مليار شلن كيني (نحو 20.79 مليون دولار)، نتيجة خسائر الإيرادات، في ظل ضغوط متزايدة على الموازنة العامة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. وتستورد كينيا معظم احتياجاتها من الوقود من الشرق الأوسط عبر اتفاقيات حكومية مباشرة مع موردي الخليج، ما جعلها من أكثر الاقتصادات الأفريقية تأثراً باضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة. وأدى ارتفاع أسعار الوقود خلال الشهرين الماضيين إلى زيادة حادة في أجور النقل وأسعار السلع الأساسية، ما عمّق الضغوط على الأسر الكينية التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.

وكانت الحكومة الكينية قد أنفقت بالفعل أكثر من 267 مليون دولار خلال شهرين للتخفيف من ارتفاع أسعار الوقود، وفقاً لوزير المالية جون مبادي، الذي أضاف أن الضغوط على الموازنة أجبرت الحكومة على اتخاذ هذه الخطوة. ويعتقد تجار الطاقة والمحللون أن تداعيات الحرب في المنطقة قد تتفاقم أكثر، مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز التي تخنق الإمدادات النفطية العالمية وتدفع أسعار الوقود إلى مزيد من الارتفاع. وقال مارك راسل؛ الرئيس التنفيذي لشركة "بوما إنرجي"، التي تدير أكثر من 700 محطة وقود في أفريقيا و2200 محطة عالمياً: "نحن أمام بيئة أسعار مرتفعة لفترة أطول، ونتوقع أن يستمر ذلك خلال الأشهر المقبلة". وأضاف، بحسب "فايننشال تايمز": "ستحتاج الحكومات إلى مواصلة إدارة أسعار الوقود المنظمة بطريقة تحافظ على أمن الإمدادات، مع تجنب الضغط المفرط على المالية العامة".

إضراب في موزامبيق... ومالاوي تبيع ذهبها

وفي موزامبيق، أدت زيادة أسعار الديزل بنسبة 46% إلى إضراب واسع لسائقي الحافلات الصغيرة، ما تسبب في شلل العاصمة مابوتو وتعطل حركة النقل العام. كذلك اضطرت حكومة جزر القمر إلى تعليق زيادات أسعار الوقود بعد احتجاجات دامية شهدتها البلاد. وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن الدول غير الساحلية، مثل مالاوي وزامبيا وبوتسوانا، تعدّ من بين الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادها على الوقود المنقول بالشاحنات عبر موانئ الدول المجاورة. وفي مالاوي، استنفدت الحكومة احتياطيات الوقود الاستراتيجية بالكامل، وبدأت بيع جزء من احتياطيات الذهب لتوفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الوقود، في ظل أزمة مالية حادة ونقص الدولار. 

وارتفعت أسعار البنزين والديزل في مالاوي بأكثر من 140% خلال الاثني عشر شهرا الماضية، ما جعلها من بين أغلى دول العالم في أسعار الوقود. كما تتفاوض حكومة مالاوي مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد للحصول على تمويل طارئ لتغطية واردات الوقود، بينما بدأ البنك المركزي بيع 590 كيلوغراماً من الذهب شبه المعالج لجمع نحو 74 مليون دولار لتمويل المشتريات النفطية. ونقلت الصحيفة عن سائق شاحنات يدعى مفاتسو مولين قوله إنه بات يقضي أياماً كاملة بحثاً عن الديزل، مضيفاً أن بعض الشاحنات تبقى محمّلةً بالبضائع لأسابيع دون القدرة على التحرك بسبب نقص الوقود.

وتتوقع كبيرة الاقتصاديين في بنك ستاندرد تشارترد، رازية خان، خفض توقعات النمو الاقتصادي نتيجة أزمة الوقود. وقالت، وفق "فايننشال تايمز": "كنا نعتقد أن أفريقيا قد تحقق نمواً بنسبة 4.3% هذا العام، لكن الصورة تبدو مختلفة الآن. القلق يتمثل في أن تؤدي هذه الأزمة إلى ضغوط تضخمية". وأضافت أن البنوك المركزية التي كان من المتوقع أن تخفض أسعار الفائدة قبل الحرب ستحتاج الآن إلى التفكير فيما إذا كانت ستواصل هذا التيسير النقدي. وترى الصحيفة أن ارتفاع أسعار الوقود يشكل أيضاً تهديداً إضافياً للجدارة الائتمانية للدول الأفريقية المثقلة بالديون، خصوصاً الدول القريبة من التعثر المالي أو التي تحتاج إلى برامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي.

وحذّر وزير المالية السنغالي الأسبوع الماضي من تعرض بلاده لـ"صدمة طاقة"، بعد تراجع إيرادات الموازنة عن التوقعات خلال الربع الأول من العام، بينما تسعى السنغال للحصول على برنامج دعم بقيمة 1.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. كذلك يجرى تداول السندات الدولارية لموزامبيق عند نحو 83 سنتاً للدولار بعائد يصل إلى 15%، وسط توقعات بأن تضطر البلاد إلى إعادة هيكلة ديونها للحصول على تمويل دولي جديد.

زيادات قياسية لأسعار الوقود

وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية ومنصات تتبع الشحنات النفطية، سجلت ليسوتو أعلى معدل ارتفاع في أسعار الديزل داخل القارة، بعدما بلغ سعر اللتر 2.1 دولار، بزيادة وصلت إلى 84.4% مقارنة بمستويات فبراير/ شباط 2026، تلتها جنوب أفريقيا بسعر 2.05 دولار للتر وارتفاع بلغ 63.6%، ثم تنزانيا عند 1.64 دولار بزيادة 57.3%، فيما وصل سعر اللتر في موزامبيق إلى 1.82 دولار بارتفاع 45.5%. وأظهرت البيانات أن سعر الديزل ارتفع في سيراليون إلى 2.03 دولار للتر بزيادة 40.4%، وفي زامبيا إلى 1.81 دولار بارتفاع 38.7%، بينما بلغ السعر في زيمبابوي 2.09 دولار للتر بعد زيادة بلغت 37.5%. كما سجلت مالاوي أعلى سعر فعلي للديزل بين الدول المشمولة بالبيانات عند 3.84 دولارات للتر، رغم أن نسبة الزيادة بلغت 35.2%.

وفي غرب أفريقيا، ارتفع سعر اللتر في غانا إلى 1.37 دولار بزيادة 23%، وفي الرأس الأخضر إلى 1.35 دولار بارتفاع 22.1%، بينما بلغ السعر في موريشيوس 1.53 دولار بزيادة 20.9%، وفي ناميبيا 1.43 دولار بارتفاع 20.4%. كما وصل سعر الديزل في كينيا إلى 1.52 دولار بزيادة 18.2%، وفي رواندا إلى 1.51 دولار بارتفاع 16.1%. أما أقل الزيادات فسجلت في بنين وساحل العاج، حيث بلغ سعر الديزل 1.35 دولار للتر في بنين بزيادة 4.2%، و1.26 دولار في ساحل العاج بارتفاع 3.7% فقط، بينما استقرت الأسعار تقريباً من دون تغير يذكر في الكاميرون عند 1.48 دولار، وفي بوركينا فاسو عند 1.21 دولار، وفي مدغشقر عند 1.16 دولار للتر.

إثيوبيا تدعم إمدادات الوقود وتتوسع في الطاقة المتجددة

وفي موازاة ارتفاع الأسعار، أظهرت بيانات واردات الديزل تغيرات حادة في أنماط الشراء الأفريقية. فقد رفعت جنوب أفريقيا وارداتها إلى أكثر من 220 ألف برميل يوميا بعد بداية الحرب، قبل أن تتراجع لاحقا إلى نحو 130 ألف برميل يوميا بحلول مايو/أيار 2026. كما ارتفعت واردات نيجيريا تدريجياً من أقل من 20 ألف برميل يومياً إلى نحو 90 ألف برميل يومياً خلال ذروة الأزمة، قبل أن تنخفض مجدداً إلى قرابة 25 ألف برميل يومياً. وفي تنزانيا قفزت واردات الديزل من نحو 20 ألف برميل يومياً إلى أكثر من 160 ألف برميل يومياً في بعض الأشهر، بينما تراوحت واردات موزامبيق بين 20 ألفاً و90 ألف برميل يومياً، مع تسجيل تراجعات متكررة خلال الأزمة.

كما دفعت أزمة الوقود الحكومات الأفريقية إلى تبني إجراءات طوارئ واسعة. وأظهرت البيانات أن مصر كانت الدولة الوحيدة التي طبّقت أربع سياسات متزامنة لترشيد الطاقة شملت حملات التوعية، وتعديل سياسات السفر، وتغيير جداول الدراسة والعمل، والتوسع في العمل من المنزل، بينما اعتمدت إثيوبيا ومدغشقر وموريشيوس وموزامبيق والسنغال على حملات ترشيد عامة، في حين اتجهت تنزانيا إلى تعديل سياسات النقل والسفر فقط.
وفي جانب السياسات المالية، لجأت غانا وكينيا وناميبيا وجنوب أفريقيا وزامبيا إلى تعديل الضرائب المرتبطة بالطاقة، بينما قدمت إثيوبيا دعماً مباشراً للوقود، وفرضت نيجيريا وموزامبيق سقوفاً سعرية للحد من ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.