
مرّ خبر رحيل السيدة الأولى السابقة، زوجة الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، مرورًا باهتًا في وسائل الإعلام الموريتانية؛ خبرٌ قيل على عجل، وأُذيع بلا توقّف عند تفاصيله، ولا تأمّل في ظلاله الثقيلة، ومع ذلك، يظل سؤالٌ يتردّد في صمتٍ عميق: هل سيُرافق الرجلُ زوجته، عائشة بنت أحمد الطلبه، إلى مثواها الأخير؟
لم تكن الراحلة مجرّد رفيقة درب، بل كانت ذاكرةً حيّةً لسنواتٍ من الصبر والوفاء. وقفت إلى جانبه في أقسى المنعطفات، حين ضاقت الدروب، واشتدّت العواصف، فتقاسما معًا مرارة المحن، وصبرا على تقلّبات الزمن وغدر القريب قبل البعيد.
عاشت "عائشة" و"معاوية" غربةً طويلة، تحتمي بإيمانٍ هادئ، وتُخفي وجعها خلف سكينةٍ لا يراها إلا من عرف معدنها.
وقد نقش الرئيس الأسبق هذا المعنى بمداد الامتنان في إهدائه لها كتابه نجاة العرب، حيث كتب:
“إلى زوجتي عائشة بنت أحمد الطلبة التي كانت شجاعة وصابرة أمام المحن التي مررنا بها.”
كانت كلماتٍ قليلة، لكنها تختصر حكاية عمرٍ كامل من الوفاء.
تلك المكانة التي عبّر عنها القلم قبل اللسان، وما عُرف عن الرجل من رهافةٍ إنسانية، تجعل فكرة غيابه عن وداعها الأخير أقرب إلى المستحيل فكيف يتخلّف القلب عن توديع نبضه الأخير؟
مرافقة "معاوية" لـ"عائشة" إلى مثواها الأخير وإن لم يؤكد رسميا فإن القرائن تشهد له ومنها تفادي محطة نواكشوط في رحلة العودة، فمسار الرحلة الأخيرة، يحمل بدوره تساؤلاتٍ لا تقلّ عمقًا، فقد أكدت مصادر مقرّبة أن جثمان الراحلة سيُنقل من الدوحة إلى أطار على اختلاف في مسار النقل بين قائل إنه سيتم عبر طائرة قطرية خاصة في رحلة مباشرة من مطار الدوحة إلى أطار، وقائل أن الجثمان سينقل من الدوحة في طائرة قطرية خاصة إلى مطار نواكشوط، ثم يُواصل طريقه مباشرة في طائرة موريتانية إلى مدينة أطار حيث سيُوارى الثرى، دون المرور بمحطة العاصمة كما جرت العادة.
وفي بلدٍ اعتاد أن يُصلّي على كبار رموزه في مسجد مسجد ابن عباس، يبدو هذا الخروج عن المألوف محمّلًا بإشاراتٍ صامتة. هل هو قرار عائلي خالص؟ أم أنه اختيارٌ يحمل في طيّاته رغبةً في تفادي مشاهد لا تُحتمل، ووجوهٍ لا يرغب الزمن في استعادتها؟
فهل تعمد الرئيس السابق الذي نقل عنه أكثر من مرة عزوفه عن العودة إلى موريتانيا هذا المسار في رحلة إياب زوجته، حتى يتجنب رؤية وجوه لا يريد النظر إليها؟
يُضاف إلى هذه الصورة المركّبة بُعدٌ آخر لا يقلّ حساسية؛ إذ أن وصول الجثمان محمولًا بقلوب الأبناء، في غياب الأب، قد يفتح بابًا لتساؤلاتٍ ثقيلة، تمامًا كما أن بقاء الرئيس السابق وحيدًا في الدوحة يترك فراغًا لا يليق بلحظة وداعٍ بهذا العمق، وبين هذين الاحتمالين، تبرز أرجحية مرافقة الرئيس لرفيقة عمره في رحلتها الأخيرة كخيارٍ تتجاوز دلالاته طقوس التشييع، لتلامس معنى العودة نفسها.
فلعلّها ليست مجرّد رحلة وداع، بل فرصةٌ مؤجلة لخطوة طال الحديث عنها: العودة إلى أطار، لا كعابر سبيلٍ في جنازة، بل كمن يختبر للمرة الأولى ملامح استقرارٍ جديد، في مدينةٍ تحمل من الذكريات بقدر ما تحمل من العزاء، عودةٌ قد تكون أقرب إلى التحقّق في ظل هذا الغياب القاسي، أو قد تظلّ مجرد مرورٍ خاطف، يأتي في لحظة الوداع… ثم يمضي.
تبقى الأسئلة معلّقة بين السماء والأرض، تمامًا كحكاية حبٍّ لم تنتهِ إلا بالموت… وربما لا تنتهي به.

