الأستاذ السيف: تحديد المأموريات الرئاسية شرط لقيام ديمقراطية حقيقية ومنتجة

أحد, 29/03/2026 - 21:44

يبدو تحديد عدد المأموريات الرئاسية منسجما مع مبدأ التداول السلمي على السلطة الذي هو شرط لقيام ديمقراطية حقيقية ومنتجة، بل إن هذا التحديد، في حالات بعينها، يعد له شرط وجود لا صحة؛ كما في حالة الدول التي لما تتجذر فيها الممارسة الديمقراطية بعد، إما لحداثة التجربة أو لعدم وفاء ما تم منها بمتطلبات ممارسة ديمقراطية صحيحة.
كذلك الحال بالنسبة للدول التي يختل فيها توازن السلطات لصالح السلطة التنفيذية؛ حيث يرتب غياب التحديد أن يكون الخلل قابلا للصرف لمصلحة الشخص المجسد لتلك السلطة، فيصرفه غالبا لتمكينه من الاحتفاظ بالسلطة، وأحيانا أقل في تحديد من يصل إليها.
على ما تقدم يكون أهم مكسب نتج منذ التحول الديمقراطي المشوه الذي حمله دستور 20 يوليو، المثبت والمعدل، هو إلغاء فكرة الرئاسة مدى الحياة التي مثل عدم تحديد عدد المأموريات مدخلا لها (1991-2005).
لقد جاء ذلك التعديل ثمرة لعمل اللجنة الوزارية المكلفة بالمسلسل الديمقراطي الانتقالي التي قدرت في تقريرها المؤقت، أكتوبر2005، أن:" تعديل الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية، وبإمكانية إعادة انتخابه، كفيل بالإسهام في خلق شروط تناوب ديمقراطي على السلطة، وإعادة ثقة المواطنين في القانون الأساس للجمهورية". ولذلك وجهت اللجنة بإجراء مراجعة تحدد بموجبها مدة الرئاسة في مأموريتين، مع وضع آلية تحول دون أية مراجعة لهذه الترتيبات بإضافة مقتضيات  إلى (المادة 99 ) من دستور 20 يوليو 1991 ، تنص على أن مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة لا يمكن أن يكون موضوعا للمراجعة:
 (المادة 99 /جديدة) الفقرة الأخيرة على النحو التالي: "لا يجوز القيام بأي إجراء يرمي إلى مراجعة الدستور إذا كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزة أراضيها أو من الصبغة الجمهورية لنظام الحكم أو من الطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية؛ أومن مبدأ التناوب على السلطة وحصر ولاية رئيس الجمهورية في مأموريتين".
عندما طرحت مسألة تحديد المأموريات في 2005، كان السبب ماثلا؛ حيث إن غيابه سمح باستمرار حكم فرد وحزب لأكثر من أربع عشرة  (14) سنة ، ودون أفق ولا فرصة لوضع حد لتلك الهيمنة بالمتاح من آليات العمل الديمقراطي ، فجاء اغتنام التغيير بانقلاب 03 أغشت  لمنع الاحتفاظ بالسلطة مستقبلا.
بمناسبة الحوار الوطني (أكتوبر 2016) سعت أطراف عديدة لطرح موضوع فتح المأمورية الرئاسية ؛ عمليا لأجل تمكين الرئيس المنصرف من الاستمرار فى السلطة لمأموريات فوق اللتين يسمح بهما التحديد.
وفى ذلك خرق نبه عليه المستفيد نفسه حين اعتبر أنه: "بغض النظر عن السلامة الإجرائية، فإن كون شخصه هو المستفيد الوحيد من فتح المأموريات يفقد القانون الدستوري الذي سيحمل التعديل خاصيتي العمومية والتجريد". 
في نظام سياسي يشرع فيه برلمان لنفسه زيادات معتبرة ومتتالية في المخصصات المالية تستفيد منها تشكيلته القائمة، لن يكون من الغريب أن يتساهل بشأن تمرير تعديل يستفيد منه رأس السلطة التنفيذية بشخصه، لكن خرق الدستور من أجل الاحتفاظ بالسلطة له تبعات لا يكفي تحالف السلطة التنفيذية والتشريعية لتجاوزها:
-بحسب (المادة 23) من الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الذي أقرته موريتانيا:" يعد كل تعديل أو مراجعة الدساتير والوثائق القانونية بالصورة التي تتعارض مع مبادئ التناوب الديموقراطي على السلطة من الوسائل غير الشرعية للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها تغييرا غير دستوري للحكومات، وبالتالي يستوجب فرض عقوبات مناسبة من قبل الاتحاد."
العقوبات التي يمكن أن تسلط على الدول المخالفة من الاتحاد لها تأثيراتها المتعددة، لكن أخطر ما في الأمر، أن أي وصول للسلطة يوصف بغير الشرعي في بلد ألف الانقلابات العسكرية لن يكون في الحقيقة إلا تحريضا للضباط وحتى الجنود للعودة وبأقصى سرعة لسيرتهم غير القديمة. 
الوصول لتعديل المقتضيات المتعلقة بالمأموريات الرئاسية بأقرب طريق للشرعية وبما يرفع الحرج عن السلطات العمومية القائمة غير المؤهلة قانونا لتطبيق مخرجات الحوار المزمع فى شقها المتعلق بالأحكام الدستورية المحصّنة المرتبطة بهذه المأموريات التي يشكل المساس بها سعيا صريحا للبقاء في السلطة، بما يمثل مساسا بالدستور القائم والالتزامات الدولية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، متأت نظريا إما:
- بالتنصيص على تأجيل نفاذ التعديل المقترح بشأن المأموريات عددا ومُددا، لما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.
- أو الوصول لنفس النتيجة، من خلال إعلان رئيس الجمهورية المزاول عدم ترشحه للانتخابات المقبلة.
خيار الاحتفاظ بالسلطة له ثمن وكذلك للقبول بالخروج منها ثمن ...
 يا لعقل اختر لنفسك أي الدارين تختار

الأستاذ يعقوب ولد السيف