
أعلنت مصادر ليبية عن مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في عملية اغتيال غامضة، اليوم الثلاثاء، بمدينة الزنتان، جنوب غربي العاصمة طرابلس.
وأكد المستشار السياسي لسيف القذافي، عبد الله عثمان، نبأ الاغتيال، مضيفاً أن مقتل سيف الإسلام القذافي جاء نتيجة "عملية اغتيال مدبرة" جرت خلالها مداهمة مقر سكنه في منطقة الحمادة، جنوب الزنتان الجبلية، أقصى غرب البلاد.
وأكد موسى إبراهيم القذافي، ابن عم سيف الإسلام القذافي والناطق الرسمي السابق باسم نظام معمر القذافي، مقتل سيف، وذلك عبر تدوينة نشرها على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، من دون أن يورد تفاصيل إضافية حول ظروف الحادث أو توقيته الدقيق.
وكشف الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي، في بيان رسمي، عن اغتياله على يد أربعة مسلحين اقتحموا منزله، جنوب مدينة الزنتان، ظهر الثلاثاء. وقال البيان، الذي نشره المستشار السياسي لسيف القذافي، عبد الله عثمان، على صفحته بفيسبوك إن "أربعة ملثمين غادرين" اقتحموا منزل القذافي "وعمدوا إلى إطفاء الكاميرات في محاولة بائسة لطمس معالم جريمتهم النكراء، ليدخل معهم الشهيد في اشتباك مباشر ومواجهة بطولية، مقبلاً غير مدبر". وأكد البيان أن مقتل سيف الإسلام "لن يمر دون ملاحقة ومعاقبة كل من شارك في التدبير والتنفيذ"، مضيفاً "إننا اليوم ننعى المشروع الوطني الإصلاحي الحقيقي الذي آمن به سيف الإسلام وعاش لأجله"، معتبراً أن اغتياله "هو اغتيال لفرص السلام والاستقرار في ليبيا".
وشدد البيان على وضعه "القضاء الليبي، والمجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية"، مطالباً "بفتح تحقيق محلي ودولي مستقل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة النكراء وتحديد هوية الجناة والعقول المدبرة لها"، وداعياً أنصار سيف الإسلام في كل ليبيا "إلى ضبط النفس والتحلي بالحكمة والصبر".
وكشف مصدر مقرب من المجلس العسكري بمدينة الزنتان لـ"العربي الجديد" أن عناصر وآليات تابعة لكتيبة أبو بكر الصديق (التي كانت تتولى حراسته في محبسه بالزنتان، واستمرت صلتها به بعد إطلاق سراحه عام 2017) قامت بتطويق محيط منزله الكائن في منطقة الحمادة، الواقعة جنوب مدينة الزنتان، ومنعت وصول أي أشخاص إلى المكان.
وأشار المصدر ذاته إلى أن مكتب النائب العام كلّف النيابة العامة بمدينة الزنتان بفتح تحقيق رسمي في حادثة مقتل سيف الإسلام القذافي، للوقوف على ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤوليات، في ظل حالة من التكتم الأمني التي تشهدها المنطقة.
ويعود ملف سيف الإسلام القذافي إلى الواجهة مجدداً بعد سنوات من الغموض الذي أحاط بوضعه منذ إلقاء القبض عليه في العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2011 في صحراء جنوب ليبيا، على يد مسلحي كتيبة أبو بكر الصديق، التابعة للمجلس العسكري بالزنتان. ومنذ ذلك التاريخ، تولت الكتيبة حراسته داخل محبسه بمدينة الزنتان، ورفضت تسليمه إلى محكمة الجنايات في طرابلس، رغم مطالبات محلية ودولية، وذلك إلى حين إعلانها في يونيو/حزيران 2017 الإفراج عنه، استناداً إلى قانون العفو العام الصادر عن مجلس النواب آنذاك.
وجاء الإفراج عن سيف الإسلام رغم إصدار محكمة الجنايات بطرابلس حكماً بإعدامه في عام 2015، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية الليبية، وعلى الرغم من إعلان كتيبة أبو بكر الصديق حل نفسها في الوقت نفسه الذي أفرجت فيه عنه، فإن سيف الإسلام بقي، بحسب مصادر محلية، تحت رعاية غير معلنة من عناصرها، وأقام منذ ذلك الحين في منزل خاص بمنطقة الحمادة، جنوب الزنتان، بعيداً عن الظهور العلني.
وسيف الإسلام القذافي، المولود عام 1972، يُعد من أبرز أبناء العقيد الراحل معمر القذافي وأكثرهم حضوراً في منظومة حكم والده. برز اسمه بشكل لافت في العقد الأخير من حكم النظام السابق، حين أطلق مشروعاً سياسياً إصلاحياً عُرف باسم "ليبيا الغد"، عبر مؤسسة أنشأها تحت مسمى "مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية"، والتي مثلت لاحقاً بوابته الأوسع إلى العمل السياسي والواجهة المدنية للنظام.
ومن خلال هذا الدور، شارك سيف الإسلام في عدد من الملفات الدولية الحساسة المرتبطة بالنظام الليبي، من بينها ملف تفكيك البرنامج النووي الليبي، وتسوية قضية التعويضات المرتبطة بحادثة سقوط طائرة "لوكربي"، إضافة إلى أدوار داخلية شملت قيادة حملات للإفراج عن معتقلين سياسيين، والترويج لخطاب إصلاحي دعا إلى تحديث بنية الدولة الليبية.
غير أن هذا الخطاب شهد تحولاً جذرياً مع اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط 2011، إذ ظهر سيف الإسلام على شاشات التلفزيون الليبي مدافعاً بقوة عن نظام والده، ومهاجماً المحتجين بعبارات حادة، ليصبح أحد أبرز الوجوه التي تصدت للثورة في أيامها الأولى. وفي مايو/أيار من العام نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق معمر القذافي وسيف الإسلام، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة.
وبعد اعتقاله في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 قرب مدينة أوباري، وظهوره في تسجيل مصور ويده اليمنى مضمدة، غاب سيف الإسلام عن المشهد العام لسنوات، قبل أن يعود إلى الواجهة السياسية في نوفمبر 2021، عندما تقدم رسمياً بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية من مدينة سبها، وأثار قبول أوراقه للترشح موجة واسعة من الجدل والاحتجاجات في عدد من المدن الليبية، ترافقت مع سجالات قانونية وأمنية حادة، انتهت بتعثر إجراء الانتخابات في ذلك العام.
ورغم عدم إجراء الاستحقاق الانتخابي، لم يغب سيف الإسلام كلياً عن المشهد السياسي، إذ ظل يظهر بين الحين والآخر عبر تدوينات متفرقة على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، معلقاً على بعض القضايا الإقليمية والدولية، من بينها ملف التحقيق مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، حيث أكد في أكثر من مناسبة أن نظام والده قدّم دعماً مالياً لحملته الرئاسية.

