أدي ولد آدبه يكتب : حياة الموريتاني: جدل الشعر والشاي

ثلاثاء, 09/20/2016 - 08:23

كان المجتمعُ الشنقيطي، يَسْبَحُ في صحاريه، مُنْتَجِعا مواقعَ الماء والكلأ، حاملا معه مدارسَه وجامعاتِه" المَحاظِرَ"، أيْنما حلَّ وارْتَحل، ترافقُه مَكْتباتُه المَوْسوعيةُ، على الظهور، وفي الصُّدور، مُتُّخِذا من تراتيل القرآن، تعاويذَ تمْنحُه طمأنينة القلوب، في جوِّ التوَجُّسِ السائدـ في تلك "البلاد السائبة"، من حكْم أيِّ سلْطة مرْكزية ضابطة، وباحثا في أناشيد الشِّعْر، عن سلْوى ترطِّبُ شظَفَ الحياة البدوية، المتَصَحِّرة في مُجْمَلِها، وبيْنما هو هكذا، لا يعرفُ مشروبًا ألذَّ من الماء واللبن، إذ فاجأتْه القوافلُ القادِمةُ من الشمال،1875م ، بمشروب الشاي الأخضر، الذي تعشَّقه، وأسْقطَ عليه كلَّ ما ترسَّبَ في مخْزُونه الشِّعْري من صور للخمْر في دواوين العَرَب، فأصبحَ هذا الوافدُ الجديدُ، هو خمْرة الصحراء، التي يُدْمِنُها الواجدُ، ويتُوقُ إليْها الفاقدُ، وأصبحَ هو والشعْر توأميْن في "بلاد المليون شاعر"، لدَرَجَةٍ من التماهي لا يكادُ يعبِّرُ عنها إلا هذا العنوان المُقْترحُ: "شايٌ في شِعْرٍ، وشِعْرٌ في شَايٍ"، فهذه الخلْطة السحْرية بيْن شِين الشاي، وشِين الشعر، تفاعلتْ في عُصارتها، حُروفُ الأبجدية، مُنْتِجةً- ضمْن مُدَوَّنَةِ الأدب المُوريتاني- غَرَضًا خاصا بوصْف هذا المشْروب المَعْشوق، بالشعْر الفصيح، والشعبي، وبالنثر، غير أنّي هنا سأقتصر على بعض تجليات الشاي في الشعر الموريتاني الفصيح، متلمِّسًا بعْض، النقاط الأكثر أهمية:

بداية علاقة الشينيْن: تفاعل الرحيقيْن:

لقد كان الشعرُ سابقَ الوجود على الشاي طبْعا، إلا أنه ما كادَ هذا الأخيرُ يظهرُ، حتى احْتضنَه الأولُ، عبْر علاقةِ حُبٍّ حميمة، بيْن مُكَوِّنَيْنِ وُجُودييْن، بالنسبة لأبناء هذا الإقليم، وهكذا كانتْ جلسةُ الشاي، عنْدنا سَبَّاقَةً إلى تجْسيد فكْرة "الاتحاد المغاربي"، منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، من خلالِ توْحيد عناصره لأغْلب دول هذا المغرب الكبير، تجاريا على الأقل، فالشايُ قادمٌ من طنْجة(المغْرب)، والسكرُ منْ وهْرانَ(الجزائر)، والمُستهلكون من شنْقيط(موريتانيا)، والشِّعْرُ هو عاقدُ هذا الرِّباطِ الوحْدوي المُقدَّس، حيث يقول الشيخ سيدي الصغير رحمه الله، واصفا لنا كؤوسا من هذا الشاي:

تُخِيِّرَ من تُجَّارِ طنْجَةَ شاهُها

وخِيرَ لها من تْلْجِ وهْرَانَ سُكَّرُ

(يتبع)