فنانة موريتانية مثيرة للجدل في سطور ...

اثنين, 09/04/2017 - 08:39

نوافذ (نواكشوط ) ــ ولدت المعلومة منت المختار ولد الميداح في المذرذرة بولاية اترارزة في جنوب غرب البلاد ، يوم 1 أكتوبر 1960، وهو العام الذي استقلت فيه موريتانيا عن فرنسا. ترعرعت البنت المعلومة في قرية “شرات” الصغيرة جنوب المذرذرة.

 

في أسرة توارثت فن الغناء، فأبوها المختار ولد ميداح كان فنانًا وعازفًا مشهورًا، وجدها محمد يحيى ولد بوباني كان كاتبًا موهوبًا وعازف آلة تيدينت بارع،  وأمها عائشة بنت البُبّان تنتمي لإحدى العائلات العريقة في مجال الموسيقى التقليدية. وعلمتها أمها حين كانت في السادسة فقط العزف على آلة “آردين”، وهي آلة وترية تقليدية تعزفها النساء.

 

التحقت المعلومة بالمدرسة الابتدائية في المذرذرة عام 1965 وحصلت على شهادة تدريس المرحلة الابتدائية في روصو عام 1974، لكنها انقطعت عن مهنة التعليم بسبب العادات التي تفرض على بنات الأسر الفنية الانشغال بتعلم الموسيقى التقليدية وإتقان العزف على آلة “آردين”.

 

تعلمت العزف على الآلات الوترية التقليدي الخاصة بالنساء،  خاصة آلة “آردين”، وعلّمها أبوها الذي أتقن مزج الموسيقى التقليدية الموريتانية والذي كان من أوائل المؤسسين لنظام التناسق اللحني بين الكلمات المنشدة باللغة العربية الفصحى والمقامات المحلية والتي أداها كبار المنشدين والمطربين الموريتانيين. فأتقنت -وهي لا تزال صغيرة- العزف على الآلات الموسيقية التقليدية، وأحاطت “بمقامات الهول” (الغناء التقليدي) كواحدة من بنات الأسر الفنية المشهورة، وترعرعت على الموسيقى الغربية الكلاسيكية مثل أعمال فان بيتهوفن  وشوبانوموتسارت وفيفالدي وفاغنر، بالإضافة للأغاني البربرية والمصرية  واللبنانية والسنغالية. وصاحبت أبيها أحيانا في أغانيه التقليدية.

 

بدأت المعلومة الغناء منذ طفولتها، وغنّت لأول مرة على المسرح وهي ابنة اثنتي عشرة عامًا فقط، ثم بدأت الظهور في الحفلات الفردية مصحوبة بعروض شعبية في عمر الخامسة عشر. وبجانب والدها، وجدت المعلومة إلهامها في كلًا من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز وديمي منت آبا وصباح. ثم ازداد اهتمامها بموسيقى البلوز مع نضجها، وهو اللون الذي كان مشابهًا للموسيقى التقليدية التي عرفتها. كتبت معلومة أغنيتها الأولى “حبيبي حبيته” في عمر السادسة عشر. وعارضت فيها عادات الرجال في موطنها بطردهم لزوجاتهم للزواج من أخريات يصغرنهن سنًا. انتشرت الأغنية واشتهرت معلومة على إثرها فورًا، لكنها لاقت رد فعلٍ عنيف، وصل لاعتداءات من المجتمع الإسلامي حينها. بعد كتابتها للأغنية بفترة قصيرة، انتقلت مع عائلتها للعاصمة نواكشوط لإنطلاق مسيرتها الفنية،  لكن مع ضغوط العادات والتقاليد المجتمعية، أجبرت معلومة على الزواج، وعليه انقطعت عن الغناء حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين. اتهمت المعلومة بعد ذلك بالإساءة لسمعة والدها. فبالإضافة للنقد الصارخ للعادات والتقاليد في أغانيها، طُلّقت معلومة مرتين؛ من زوجها الأول الذي أكرهت على الزواج منه، ومن زوجها الثاني ابن أحد العائلات النبيلة الذي لم يسمح لها بالغناء. رغم ذلك، علق والدها بعد سماع إحدى أغنياتها قائلًا: “لقد صَنَعتِ شيئًا جديدًا قد لمسني. يؤسفني أني لن أعيش طويلًا لأحميكي.”

 

مسيرتها الموسيقية

 

كان أول ظهور كبير لمعلومة عام 1986، حين كشفت عن أسلوب المزج الخاص بها والذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، لقناعتها بأن النمط الموسيقي القديم يجب أن يتوافق مع ذوق الشعوب المعاصر من بإضفاء لونا من الحداثة عليه، مثل إضافة موسيقى البلوز والجازوالإلكترو. ناقشت أغانيها الأولى “حبيبي حبيته” و”أيام الزمان تجري” و”عوضه بالله” الحب والحياة الزوجية وعدم المساواة بين الرجال والنساء، وهو ما تعارض بشدة مع ما كان مقبولًا في وطنها آن ذاك. ومع ذلك، لاقت أغانيها شعبية وقبولًا واسعًا، خاصة من قبل الشّابّات. طوّرت معلومة نهجها بعناية، فجمعت بين الموضوعات التقليدية والهامة الثرية، مستعينةً بالآلات الموسيقية الشعبية الحديثة. اعتمدت المعلومة عادة في مؤلفاتها على أساليب الشعراء العرب القدامى، مثل المتنبي  وعنترة بن شداد  الذين عرضوا في شعرهم النقد السياسي والتضحيات الشخصية ودعموا الضعفاء والمضطهدين.  وبالتالي فقد مزجت بين المقامات العربية والافريقية في ألحانها، واختارت من الكلمات المنظومة باللهجة «الحسانية» المحلية الأقرب الى الفهم.

 

غنّت المعلومة منذ البداية بعدة لغات، فغنت بالعربية وباللهجة الحسانية  وباللغة الفرنسية والولوفية،  حيث كانت تسعى بذلك لنشر رسالتها لجمهور أوسع.  ولم يمض كثير من الوقت حتى ظهرت المعلومة على التلفزيون مع شقيقتها “مُنّينة” وشقيقها العازف “عرفات” بمنوعات غنائية لحنتها معلومة لنفسها وكانت جديدة على المجتمع، مما أثار الجدل حولها خاصة بعد صدور أغنية “حبيبي حبيته” وظهورها عام 1988 في مهرجان قرطاج الدولي في تونس، حيث عرضت مشاكل اجتماعية مثل الفقر وعدم المساواة والأمراض، وهي مواضيع لم تكن مقبولة عامة في موريتانيا. تبع مشاركتها في مهرجان قرطاج ظهورها في عدة قنوات عربية، مما ضاعف من انتشارها. وظلّت شهرتها تزداد يومًا بعد يوم حتى أدّت أغنية عن حرية التعبير عام 1991. فمنعت من كتابة الأغاني الداعمة لحقوق المرأة والمعارضة للتفرقة بين الجنسين،  ثم فرض عليها حصار إعلامي ورسمي فلا تظهر على شاشة التلفزيون الموريتاني أو على صفحات الجرائد الرسمية، ومنعت عن إقامة الحفلا انقطعت معلومة عن الغناء لفترة طويلة،  لكنها عادت في نهاية التسعينيات وغنّت في بلدان أفريقية أخرى وأوروبا والولايات المتحدة. استمرت معارضة الهيئات الأخلاقية والحكوميون لها، وظلّت أغانيها محظورة تمامًا حتى عام 2003، حيث دعا حشد من 10,000 شخص الرئيسمعاوية ولد سيدي أحمد الطايع لرفع الحظر عنها. ظلّّت بعض القيود مفروضة عليها حتى انقلاب عام 2005 على نظام الرئيس معاوية.

 

كان الطابع الغالب على الأغاني هو الثناء على الحاكم ومدح النظام والسياسات، لكن المعلومة على النقيض قد غنت للحرية والتعددية وحقوق الانسان ومحاربة التمييز والعنصرية ضد الأقليات الزنجية ونقدت الزواج من الأطفال وغيرها من القضايا الخلافية في مختلف بلدان الوطن العربي وأفريقيا، كما غنت للتضامن وترسيخ قيم الأخوة والمساواة، كما غنّت أيضًا عن الأمية والتوعية بالإيدز وتطعيم  الأطفال، مما جعل جمهورها يلقبها بـ”مطربة الفقراء”.