موريتانيا في عام 2017 : ألغاز (العملة الجديدة ) وأحلام النفط والغاز

اثنين, 01/01/2018 - 09:27

شهدت موريتانيا خلال عام 2017 محطات اقتصادية مختلفة، أبرز ما يميزها توقيع عقود التنقيب عن الغاز والنفط في مياه موريتانيا الإقليمية التي يبدو أنها تسيل لعاب كبريات الشركات العالمية، ولكن الحدث الاقتصادي الأبرز كان الإعلان عن تغيير قاعدة عملة “الأوقية” وحذف الصفر منها.

 

كما شهدت السنة المنصرمة قطع موريتانيا لخطوات جدية نحو الأشقاء الأفارقة في “إيكواس”، بعد 17 عاماً من خروج موريتانيا من هذا التجمع الاقتصادي الذي بدأ يحقق نتائج اقتصادية كبيرة، ويفتح آفاقاً واعدة.

 

الأوقية “الجديدة”

 

على مدى عقود تغير شكل العملة الموريتانية أكثر من مرة، وظلت طريقة الحساب واحدة، كما صدرت عدة فئات ورقية ونقدية، إلا أن القرار الأخير الذي أعلن عنه الرئيس محمد ولد عبد العزيز كان غير مسبوق، عندما أعلن تغيير قاعدة العملة الوطنية “الأوقية”، وذلك وفق القاعدة من 10 إلى 01، في خطوة ستغير شكل الأوقية وطريقة حسابها بقاعدة حذف الصفر.

 

خطوة من شأنها أن “تسمح للأوقية وقطعها النقدية الجزئية من استعادة مكانتها في المعاملات المالية”، حسب ما أكد ولد عبد العزيز في خطابه بمناسبة ذكري عيد الاستقلال.

 

هذه الخطوة أثارت منذ الإعلان عنها الكثير من التساؤل في الشارع الموريتاني، خصوصا وأن السرية أحاطت بمختلف مراحلها قبل الكشف عنها، وهي سرية بررها بعد ذلك الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد المكلف بالمالية محمد ولد كمبو، بالقول إن هدفها “حماية الأوقية”.

 

وكشف محافظ البنك المركزي الموريتاني عبد العزيز ولد الداهي بعد ذلك أن مؤسسته هي من اقترحت على السلطات تغيير العملة، مع جملة من الإصلاحات تهدف إلى تحديث عصرنة وسائل الدفع، وقد تم اعتمادها.

 

ولمدة 6 أشهر سيتم تداول السلسلتين النقديتين للأوقية، القديمة منها والجديدة، كما سيتم القيام بعرض مزدوج للأسعار بالأوقية الحالية والعملة الجديدة لمدة 3 سنوات بحسب ما أعلن عنه المركزي الموريتاني.

 

وتقول السلطات الموريتانية أن الفوائد المرجوة من هذا الإصلاح، تشمل تبسيطا أكبر للعمليات التجارية، وزيادة الثقة في العملة الوطنية، وتقليص تكاليف أمان العملات، وتقليص تكاليف التسيير على البنك المركزي والبنوك الأولية، والمؤسسات والتجار.

 

الغاز والنفط

 

من المبررات التي قدمتها الحكومة الموريتانية للإصلاحات النقدية وتقليص حجم النقد المتداول، أن الدولة مقبلة على استثمارات كبيرة في قطاعات النفط والغاز، وبالتالي يجب أن تكون العملة الموريتانية جاهزة للأموال الكبيرة التي ستضخ في السوق.

 

يبدو هذا المبرر براقاً ويسيل لعاب الكثير من الموريتانيين، الذين استقبلوه بنوع من الحذر، فأحلام النفط التي تحولت إلى كابوس مطلع الألفية الثالثة ما تزال ماثلة أمام أعين الكثير من الموريتانيين.

 

ولكن العام المنصرم شهد تنافسا محموما وسباقاً لافتاً للشركات العالمية تجاه السوق الموريتانية، وشاهدنا شركات فرنسية وبريطانية وأمريكية ترسل بطواقمها الإدارية إلى نواكشوط وتوقع الاتفاقيات بسرعة كبيرة، ما يوحي بأن المياه الموريتانية تخفي الكثير مما لم تعلن عنه الحكومة، كما لم تكشف حياله الشركات كافة المعلومات.

 

في شهر مايو الماضي وقعت الحكومة الموريتانية اتفاقاً مع شركة “توتال” الفرنسية يتيح استكشاف وإنتاج النفط والغاز بالمقطع C7 بالحوض الساحلي في المياه الاقليمية الموريتانية.

 

بعد شهر فقط أعلنت شركة “بريتش بيتروليوم” الحاضرة في مجال التنقيب عن الغاز وانتاجه بالشراكة مع نظيرتها الأمريكية “كوسموس أنيرجي”، قبالة السواحل الموريتانية، على الحدود مع السنغال، أن إنتاج الغاز الموريتاني يبدأ عام 2021 من الآبار التي تستغلها الشركة البريطانية.

 

وسبق للشركة البريطانية أن اشترت العام الماضي نسبة 62 في المائة من حصة “كوسموس أنيرجي” من التنقيب في المياه الموريتانية، وذلك مقابل استثمار بقيمة مليار دولار أمريكي.

 

وكانت موريتانيا قد وقعت في شهر أكتوبر من العام الماضي عقدا مع شركة “كوصموص انيرجي” الأمريكية، يمنح الأخيرة إمكانية استكشاف وإنتاج داخل المقطع (C 6) في المياه العميقة الموريتانية.

 

وقالت الرئيسة الإقليمية للشركة البريطانية في موريتانيا والسنغال “إيما ديلاني”، إن الشركة البريطانية “ترى في موريتانيا فرصة مهمة جداً واستراتيجية، مع كثير من الآفاق الواعدة”.

 

الحضور الأمريكي اللافت

 

كانت الأحداث الاقتصادية في العام المنصرم تكشف عن حضور اقتصادي أمريكي قوي ومتزايد في موريتانيا، ففي نهاية 2017 دخل عملاق النفط الأمريكي “إيكسون موبيل” على خط التنقيب عن النفط والغاز في المياه الموريتانية، وهي المرة الأولى التي تدخل أكبر شركة نفط خاصة في العالم إلى السوق الموريتانية.

 

وجاء دخول الشركة الأمريكية المختصة في التنقيب عن الغاز والنفط، إلى المياه الموريتانية بعد التوقيع على اتفاق مع الحكومة الموريتانية.

 

ويتعلق الاتفاق بثلاثة عقود استكشاف إنتاج، في المقاطع “س 14″ و”س 17″ و”س 22” من الحوض الساحلي الموريتاني، وهي المنطقة التي تشهد زحمة كبيرة من الشركات العالمية.

 

وكانت موريتانيا قد اتفقت قبل ذلك مع الشركة خلال مؤتمر دولي حول النفط في دكار على “الشروط في ثلاث مناطق” قبل أن يتم التوقيع على العقد بعد ذلك بشهر.

 

نحو الجنوب

 

وفيما كانت الشركات الغربية تتزاحم داخل المياه الموريتانية، وبعضها على الحدود مع السنغال، بدأ النظام الموريتاني يتجه بنظره نحو الجنوب، فهنالك نموذج اقتصادي أثبت نجاحه، وأصبح محل دعم وتشجيع من الممولين الدوليين.

 

وبعد سنوات من انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، بدأت موريتانيا في عام 2017 قطع خطوات جدية نحو الاستفادة من المقدرات الاقتصادية والانفتاح على سوقها الذي يضم أزيد من 300 مليون شخص.

 

ووقع الطرفان اتفاق شراكة شهر أغسطس الماضي، وجاءت الشراكة بين الطرفين، بعد موافقة قمة رؤساء المجموعة في الرابع من شهر يونيو الماضي.

 

وتنص خريطة طريق الشراكة على إجراءات تسهيل التبادلات التجارية والاقتصادية، ومواءمة النظام الجمركي الموريتاني مع القوانين المطبقة في دول مجموعة غرب أفريقيا، ومراجعة المنظومة القانونية لتتلاءم مع القوانين المطبقة من طرف مجموعة هذه البلدان.

 

ويستهدف هذا الاتفاق بالأساس وضع آليات للتنفيذ والمصادقة على خريطة طريق، ستمكن من تسريع عودة موريتانيا إلى الاتحاد الجمركي ابتداء من الفاتح يناير 2019 .

 

الفساد يحضر

 

ورغم الآفاق التي تقدمها الحكومة على أنها تعد بنقلة نوعية ينتظرها الاقتصاد الموريتاني في السنوات القليلة القادمة، إلا أن ملفات أخرى تطل دوماً برأسها لتؤكد أن الفساد ما يزال حاضراً بقوة في تسيير الشأن العام الموريتاني، ويظل الفساد أكبر تحد أمام تحقيق أحلام الحكومة ووعودها.

 

من أبرز ملفات الفساد التي هزت الرأي العام الموريتاني في العام الماضي ملف شركة “سونمكس” التي يبدو أن الحكومة تتجه نحو تصفيتها وإغلاق واحد من أكثر ملفات الفساد إثارة في العشرية الأخيرة.

 

ملف الشركة الوطنية لصيانة الطرق “أنير” هو الآخر ترك أثراً بيناً في العام المنصرم، فقد أعلنت الحكومة بشكل رسمي إفلاس الشركة من دون أن تقدم أي مبررات لهذا الإفلاس، بينما تتحدث المصادر عن ملفات فساد كبيرة جعلت الشركة تغرق في الديون.

 

وفي خضم الحرب على الفساد، لا يكاد يمر شهر من دون الإعلان عن فضيحة فساد في إحدى المؤسسات العمومية، منها ما يتم تجاهله، ومنها ما يتحول إلى قضية رأي عام لتجد الحكومة نفسها مجبرة على التعامل معه وفق ما تعلنه من حرب على الفساد، ولعل آخر مثال على ذلك أزمة الإذاعة الموريتانية.

 

ويبقى الفساد هو الملف الحاضر بشكل دائم في مختلف ملفات الحصاد التي نعدها كل عام، رغم الحرب التي أعلن عنها النظام الحالي قبل عشر سنوات عليه، ما يزال الفساد يرفض “الموت”.

صحراء ميديا